الإعلام الدولي لا يتفاعل مع «الإنجاز» بحد ذاته، بل مع «القصة خلف الإنجاز»، ولذلك فإن إبراز مشاريع مثل تقليل زمن الانتظار بنسبة 75 %، أو خدمة 180 ألف حاج في الساعة عبر مراوح الرذاذ، أو خفض الإجهاد الحراري عبر زيادة الغطاء النباتي، يجب تقديمها في إطار تحليلي يربط بين هذه الأرقام وتأثيرها على تجربة الإنسان..
تشهد المشاعر المقدسة في موسم حج 1447هـ تحولًا نوعيًا في إعادة هندسة تجربة الحج بأكملها، من حيث تكامل مشاريع البنية التحتية مع توظيف التقنيات الحديثة في نموذج تشغيلي متقدم يعكس فلسفة جديدة في إدارة الحشود والخدمات في البيئات عالية الكثافة، إذ أصبحت تحولات المشاريع جزءًا من منظومة استراتيجية متكاملة تقودها المملكة ضمن مستهدفات رؤية 2030 لتقديم نموذج عالمي في إدارة أحد أكبر التجمعات البشرية في العالم.
يكشف مشهد المشاعر المقدسة اليوم عن حلول هندسية وبيئية متقدمة، فعلى مستوى البنية التحتية، ركزت المشاريع على زيادة الطاقة الاستيعابية، وعلى تحسين جودة الاستخدام وتقليل الضغط التشغيلي، وعندما ترتفع مجمعات دورات المياه في مشعر منى إلى 79 مجمعًا حديثًا تضم 7838 دورة مياه، بزيادة تصل إلى أربعة أضعاف، مع خفض زمن الانتظار بنسبة 75%، فإننا أمام نموذج يعكس فهمًا عميقًا لسلوك الحشود، وهذا النوع من المشاريع يُعيد توزيع الكثافة بطريقة أكثر كفاءة.
وفي البعد البيئي، يظهر بوضوح أن المملكة تتعامل مع تحديات المناخ، خصوصًا الإجهاد الحراري، كأولوية تشغيلية، فزراعة أكثر من 60 ألف شجرة في المشاعر المقدسة تمثل تحولًا في التفكير وإعادة تشكيل البيئة الحرارية، وهذه المقاربة، إلى جانب نشر مراوح الرذاذ المتطورة التي تخدم ما يقارب 180 ألف حاج في الساعة، تعكس انتقالًا نحو حلول قائمة على التكيّف المناخي المستدام، بما يعزز من راحة الحاج ويقلل من المخاطر الصحية المرتبطة بالحرارة.
كما أن تطوير مناطق الاستراحات على مسارات المشاة، التي تجاوزت 66 ألف متر مربع من المساحات المهيأة، يمثل إعادة تعريف لتجربة التنقل بين المشاعر المقدسة، إذ أصبح الحاج مستفيدا من بيئة انتقال مريحة ومتكاملة، تضم مظلات حديثة، ومناطق جلوس، وخدمات مساندة، وهنا يظهر البعد الإنساني في التخطيط، حيث يتم تصميم الرحلة وفق احتياجات الحاج الجسدية والنفسية ومتطلبات التشغيل.
أما على مستوى التقنيات الهندسية، فإن استخدام الأرضيات المطاطية في مسارات المشاة يعكس توجهًا نحو حلول دقيقة تستهدف تفاصيل التجربة، وهو ما يُسهم في خفض درجة حرارة الأسطح، ما ينعكس مباشرة على راحة الحجاج وسلامتهم، وهي حلول “صامتة” لكنها عالية التأثير، تؤكد أن الابتكار في الحج يشمل أيضًا الابتكار في المواد والتصميم.
وفي سياق متصل، يأتي مشروع تلطيف الأجواء عبر أكثر من 400 عمود مراوح رذاذ حديثة كجزء من منظومة تبريد متكاملة في منشأة الجمرات، وهي واحدة من أكثر النقاط كثافة في المشاعر المقدسة، لدعم انسيابية الحركة، إذ إن الراحة الحرارية ترتبط مباشرة بسرعة التدفق البشري وتقليل التوقفات، وهو ما يعزز من كفاءة إدارة الحشود بشكل غير مباشر.
هذه المشاريع مجتمعة تعكس تحولًا جوهريًا في فلسفة إدارة الحج، و”هندسة التدفق البشري، وهو تحول يعتمد على التكامل بين البنية التحتية، والتقنيات، والبيئة، والسلوك الإنساني، ضمن منظومة تشغيلية دقيقة تقودها جهات متعددة بتنسيق عالٍ، ويبرز هنا دور شركة “كدانة للتنمية والتطوير”، كذراع تنفيذية، تعمل ضمن إطار مؤسسي تقوده الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، في ترجمة هذه الرؤية إلى واقع ملموس.
غير أن أهمية هذه المنجزات تمتد إلى بعدها الاتصالي والإعلامي، وهو جانب لا يقل أهمية عن التنفيذ ذاته، فالمملكة اليوم تقدم نموذجًا عالميًا في إدارة الحشود والخدمات الصحية واللوجستية في بيئة استثنائية، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير خطاب إعلامي موجه للإعلام الدولي، قادر على نقل هذه التجربة بلغة يفهمها العالم، قائمة على الأرقام، والمؤشرات، والقصص الإنسانية، والمقارنات المعيارية.
الإعلام الدولي لا يتفاعل مع “الإنجاز” بحد ذاته، بل مع “القصة خلف الإنجاز”، ولذلك فإن إبراز مشاريع مثل تقليل زمن الانتظار بنسبة 75%، أو خدمة 180 ألف حاج في الساعة عبر مراوح الرذاذ، أو خفض الإجهاد الحراري عبر زيادة الغطاء النباتي، يجب تقديمها في إطار تحليلي يربط بين هذه الأرقام وتأثيرها على تجربة الإنسان، كما أن ربط هذه المشاريع بمفاهيم عالمية مثل الاستدامة، والمرونة، والصحة العامة، يعزز من حضور المملكة في النقاشات الدولية حول مستقبل المدن وإدارة الحشود.
كما أن توحيد الرسائل الاتصالية بين الجهات العاملة في منظومة الحج يمثل عنصرًا حاسمًا في بناء صورة ذهنية متماسكة، فالتعدد في الجهات يجب أن يقابله توحيد في السردية، وتقديم تجربة الحج كمنظومة واحدة متكاملة، وهذا يتطلب بناء إطار اتصالي استراتيجي يحدد الرسائل الأساسية، ويترجمها إلى محتوى إعلامي موجه لمختلف المنصات الدولية.
في نهاية المطاف، ما تشهده المشاعر المقدسة هو إعادة تشكيل شامل لتجربة الحج وفق معايير عالمية متقدمة، وبينما تنجح المملكة في تنفيذ هذه المشاريع بكفاءة عالية، فإن التحدي القادم يتمثل في “رواية هذه القصة” للعالم بالشكل الذي يليق بحجمها، ويعكس مكانة المملكة كقائد عالمي في إدارة الحشود وخدمة الإنسان.. دمتم بخير.
2
يونيو