لم تتعامل المملكة خلال السنوات الأخيرة مع قطاع النقل باعتباره قطاعًا خدميًا منفصلًا، وإنما جزء من مشروع اقتصادي متكامل يستهدف تحويل المملكة إلى مركز لوجستي عالمي وفق مستهدفات رؤية 2030، ولذلك جاءت الاستثمارات الضخمة في الموانئ والمناطق اللوجستية والمطارات والسكك الحديدية لتشكل منظومة مترابطة تهدف إلى ربط ثلاث قارات عبر الأراضي السعودية..
في عالمٍ تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية وتتبدل فيه خرائط النفوذ الاقتصادي، أصبحت الممرات التجارية خطوطا لنقل البضائع بين الأسواق، وأيضًا أدوات قوة استراتيجية تعادل في تأثيرها الموانئ الكبرى وحقول الطاقة ومراكز القرار السياسي، والقاعدة تقول إن الدول التي تنجح في التحكم بحركة التدفقات التجارية العالمية تحصد العوائد الاقتصادية، وتكتسب قدرة أكبر على التأثير في معادلات الاستقرار الإقليمي وسلاسل الإمداد الدولية.
ومنذ جائحة كورونا، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية، ثم التوترات المتلاحقة في منطقة الشرق الأوسط، أدرك العالم أن الاعتماد على مسارات محدودة للتجارة الدولية بمثابة نقطة ضعف استراتيجية للاقتصاد العالمي، ولذلك بدأت القوى الاقتصادية الكبرى في البحث عن ممرات بديلة أكثر مرونة وأقل عرضة للمخاطر السياسية والأمنية.
من هذه النافذة، يمكن قراءة مذكرتي التفاهم اللتين وقّعتهما المملكة وتركيا في مجالي السكك الحديدية والخدمات اللوجستية باعتبارهما مشروع جيواقتصادي أوسع يعيد تشكيل العلاقة بين الخليج العربي وأوروبا، ويمنح المنطقة فرصة تاريخية للتحول إلى شريك في صناعة ممر التجارة وإدارتها.
وعند النظر القاصر إلى المشروع من زاوية النقل، سيبدو وكأنه تطوير لشبكات السكك الحديدية وربط للموانئ والمنافذ الحدودية، لكن القراءة الاستراتيجية الأعمق تكشف أن ما يجري هو إعادة صياغة لخريطة الحركة التجارية في الشرق الأوسط بأكمله.
لم تتعامل المملكة خلال السنوات الأخيرة مع قطاع النقل باعتباره قطاعًا خدميًا منفصلًا، وإنما جزء من مشروع اقتصادي متكامل يستهدف تحويل المملكة إلى مركز لوجستي عالمي وفق مستهدفات رؤية 2030، ولذلك جاءت الاستثمارات الضخمة في الموانئ والمناطق اللوجستية والمطارات والسكك الحديدية لتشكل منظومة مترابطة تهدف إلى ربط ثلاث قارات عبر الأراضي السعودية.
واليوم، مع التوجه نحو الربط الحديدي مع تركيا مرورًا بالأردن وسوريا، تتسع هذه الرؤية لتنتقل من المستوى الوطني إلى الإقليمي، حيث يصبح الخليج العربي متصلًا مباشرة بالشبكات الأوروبية عبر ممر بري متكامل، وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا المشروع في تقليص زمن الشحن من نحو 15 يومًا إلى ما يقارب 6 أيام، وخفض التكاليف اللوجستية بنسبة تصل إلى 30%، وكذلك خلق بديل حقيقي للممرات البحرية التي أصبحت عرضة للاضطرابات الجيوسياسية المتكررة.
خلال الأعوام الأخيرة أثبتت الأزمات المتلاحقة في مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر أن أمن التجارة العالمية لا يمكن أن يبقى رهينة لعنق زجاجة جغرافي واحد، ومن هنا تبرز قيمة الممرات البرية العابرة للحدود باعتبارها عنصرًا أساسيًا في بناء مرونة سلاسل الإمداد العالمية، لكن ما يمنح المشروع بعده الاستراتيجي الأعمق هو تزامنه مع متغيرات إقليمية أوسع، فالتقارب الاقتصادي المتسارع بين تركيا وسوريا، وإعادة فتح قنوات التعاون اللوجستي بين دمشق وعمان وأنقرة، وإطلاق مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية للنقل في المنطقة، كلها مؤشرات على أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من إعادة التشبيك الاقتصادي بعد سنوات طويلة من الانقطاعات السياسية والصراعات العسكرية، واللافت هنا، أن المملكة تتحرك في هذا الإطار باعتبارها لاعبًا رئيسيًا في إعادة هندسة البنية الاقتصادية الإقليمية.
تُدرك الرياض أن المستقبل الاقتصادي يُبنى على تصدير الطاقة، وعلى إدارة تدفقات التجارة العالمية، وربط الأسواق، وتقديم الخدمات اللوجستية ذات القيمة المضافة، ولهذا السبب أصبح القطاع اللوجستي أحد القطاعات الأكثر استهدافًا في برامج التنويع الاقتصادي الوطني، كما ينسجم المشروع أيضًا مع التحولات العالمية نحو ما يمكن تسميته بـ”جيواقتصاد الممرات”، حيث تتنافس الدول اليوم على بناء شبكات الربط التجاري أكثر من تنافسها على بناء التحالفات العسكرية التقليدية، فالممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، ومبادرة الحزام والطريق الصينية، وممرات آسيا الوسطى، ومشاريع الربط الأوروبية الجديدة، كلها تعكس حقيقة واحدة مفادها أن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن الممرات التجارية الكبرى.
وفي هذا المشهد العالمي المتغير، تبدو المملكة وكأنها تبني موقعها بعناية داخل الخريطة الجديدة للتجارة الدولية، باعتبارها عقدة مركزية تربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب، لذا يحمل المشروع يحمل بعدًا اقتصاديًا عميقًا، فعندما ترتبط شبكات السكك الحديدية بالموانئ والمناطق الصناعية والمراكز اللوجستية، فإنها تخلق بيئة جديدة للاستثمار والتصنيع وإعادة التصدير، وتفتح فرصًا واسعة لنمو الصناعات المرتبطة بالنقل والتخزين والخدمات التقنية وسلاسل القيمة الإقليمية.
لهذا يمكن النظر إلى مذكرتي التفاهم السعوديتين التركيتين كمؤشر على مرحلة جديدة من إعادة التموضع السعودي في قلب الجغرافيا الاقتصادية العالمية، وبينما كانت الجغرافيا لعقود طويلة قدرًا ثابتًا للدول، تسعى المملكة اليوم إلى تحويل هذا القدر الجغرافي إلى ميزة استراتيجية، عبر تحويل موقعها بين القارات الثلاث إلى منصة لإعادة تشكيل طرق التجارة وحركة الاقتصاد الدولي.
وعندما يكتمل هذا الربط يومًا ما بين الخليج العربي وتركيا وأوروبا عبر شبكة حديدية متصلة، فإن السؤال ينحصر حول حجم التحول الذي أحدثته المملكة في خريطة الاقتصاد الإقليمي، والدور الذي باتت تؤديه كأحد أهم مهندسي الممرات التجارية في العالم الجديد.. دمتم بخير.
17
يونيو