لا ينبغي النظر إلى النزاع بين الصحف وشركات الذكاء الاصطناعي كخلاف قانوني محدود حول حقوق النشر، وإنما جزء من إعادة تشكيل الاقتصاد المعرفي العالمي؛ لأن المؤسسات التي تنتج المحتوى تريد نصيبها العادل من القيمة التي تُستخرج من بياناتها، بينما تسعى شركات التقنية إلى ضمان تدفق مستمر للمعلومات اللازمة لتطوير نماذجها..
في الوقت الذي تتجه فيه مؤسسات صحافية عالمية كبرى إلى إغلاق أرشيفاتها الرقمية أمام شركات الذكاء الاصطناعي، كانت شركة إنفيديا تكشف في تايوان خلال يونيو الجاري عن جيل جديد من المعالجات القادرة على تشغيل نماذج ذكاء اصطناعي ضخمة محليًا على أجهزة الحاسب الشخصية.
قد تبدو القصتان منفصلتين للوهلة الأولى؛ الأولى تتعلق بحقوق النشر والأرشفة الرقمية، والثانية بتطوير الشرائح الإلكترونية والحوسبة المتقدمة، إلا أن كليهما في الواقع يدور حول: من يملك المستقبل الرقمي؟
خلال العقود الماضية كانت المنافسة تدور حول امتلاك المعلومات، أما اليوم فالمستوى بات أكثر تعقيدًا ويتعلق بامتلاك القدرة على تحويل المعلومات إلى معرفة، ثم إلى قرارات وقيمة اقتصادية، ولهذا فإن البيانات أصبحت أحد أهم الأصول الاستراتيجية في العالم، وليس كما يعتقد البعض موردًا رقميًا اعتياديًا.
عندما بدأت صحف كبرى مثل نيويورك تايمز وغيرها في تقييد الوصول إلى أرشيفاتها الرقمية، لم يكن دافعها رفض الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، وإنما قلقها من تحول آلاف الساعات من العمل الصحافي والتوثيق والتحرير إلى مادة تدريب مجانية لشركات تقنية تقدر قيمتها بمئات المليارات من الدولارات، فالمؤسسات الإعلامية تنظر إلى أرشيفها رأس مال معرفي مُراكم عبر عقود، بينما ترى شركات الذكاء الاصطناعي فيها الوقود اللازم لتطوير نماذج أكثر ذكاءً وقدرة على الفهم والتحليل.
القضية في تصوري الصحافي المتواضع، تتجاوز البعد الاقتصادي المباشر؛ إذ لا ينبغي النظر إلى الأرشيف الصحافي كمخزن للمحتوى، وإنما جزء من الذاكرة الرقمية للعالم الحديث، حيث يستطيع من خلاله الباحثون والصحافيون والمؤرخون تتبع تطور الأحداث والتحقق من الروايات وتحليل التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
علينا استيعاب جوهر مهم، فأثناء انشغال المؤسسات الإعلامية بحماية المحتوى، تتقدم شركات التقنية نحو مرحلة جديدة قد تجعل هذه المعركة أكثر تعقيدًا، إذ لا يمكن فهم إعلان إنفيديا الأخير في إطلاق معالج أسرع أو أكثر كفاءة، وإنما يعكس ذلك تحولًا استراتيجيًا في فلسفة الذكاء الاصطناعي نفسها، فبدلًا من الاعتماد الكامل على مراكز البيانات العملاقة، أصبح من الممكن تشغيل نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة محليًا على أجهزة شخصية صغيرة الحجم وعالية الكفاءة.
يحمل هذا التطور دلالة تتجاوز الجانب التقني، فإذا كانت البيانات هي الوقود، فإن القدرة الحاسوبية هي المحرك، وإذا كان الصراع الحالي يدور حول من يملك المحتوى، فإن الصراع القادم قد يدور حول من يملك القدرة على معالجته وتشغيله وتوظيفه، ولذلك فإن الذكاء الاصطناعي تجاوز المنافسة بين مطوري البرمجيات، إلى كونه سباقًا عالميًا يشمل المحتوى والبيانات والشرائح الإلكترونية والبنية التحتية والطاقة والحوسبة السحابية في آن واحد.
وما نشهده اليوم يشبه إلى حد كبير التحولات الكبرى التي رافقت الثورات الصناعية السابقة، ففي كل مرحلة تاريخية كانت القوة تنتقل إلى الطرف الذي ينجح في السيطرة على المورد الاستراتيجي الجديد، وخلال الثورة الصناعية الأولى كانت الآلات، ثم أصبحت الطاقة، ثم المعلومات، أما اليوم فإن العنصر الحاسم يتمثل في القدرة على تحويل البيانات إلى ذكاء اقتصادي ومعرفي.
لهذا السبب لا ينبغي النظر إلى النزاع بين الصحف وشركات الذكاء الاصطناعي كخلاف قانوني محدود حول حقوق النشر، وإنما جزء من إعادة تشكيل الاقتصاد المعرفي العالمي؛ لأن المؤسسات التي تنتج المحتوى تريد نصيبها العادل من القيمة التي تُستخرج من بياناتها، بينما تسعى شركات التقنية إلى ضمان تدفق مستمر للمعلومات اللازمة لتطوير نماذجها، وبين الطرفين يقف المجتمع أمام معادلة دقيقة تتعلق بحماية الإبداع من جهة، وضمان استمرار الوصول إلى المعرفة من جهة أخرى.
لا يكمن الحل في إغلاق الأرشيفات أو منع التكنولوجيا، أو ترك المحتوى عرضة للاستغلال غير المنظم، وإنما في بناء أطر قانونية واقتصادية جديدة تعترف أن البيانات أصبحت أصلًا اقتصاديًا قائمًا بذاته، فكما تنظم الأسواق حقوق الملكية المادية، أصبحت الحاجة ملحة لتنظيم الملكية الرقمية بصورة تضمن التعويض العادل والشفافية وحق الوصول للمعلومات.
إن ما يحدث اليوم يؤكد أن الذكاء الاصطناعي أصبح بنية حضارية تعيد صياغة العلاقة بين المعرفة والاقتصاد والسلطة، ولذا، فإن معركة الأرشيفات ليست سوى الفصل الأول من قصة أكبر، وتمثل معالجات إنفيديا المتقدمة أحد فصولها التالية؛ لأن المستقبل لن يكون لمن يملك البيانات أو المعالجات وحدهما، وإنما لمن ينجح في الجمع بين المعرفة والبنية التحتية والقدرة على تحويلهما إلى قيمة مستدامة.
ومن هنا يمكن فهم أن السؤال الحقيقي الواجب طرحه: كيف يمكن بناء نموذج جديد يضمن بقاء المعرفة متاحة، والإبداع محميًا، واستمرار الابتكار في خدمة الإنسان لا في احتكار ذاكرته الرقمية؟ وعندما نصل لدلالات الإجابة ستكون هذه هي المعركة الحقيقية التي سترسم ملامح الاقتصاد المعرفي في العقود المقبلة.. دمتم بخير.
17
يونيو