في الحروب الممتدة تسقط الدول دائمًا نتيجة التشظي الداخلي، وتضارب المصالح، وتآكل المؤسسات، وتعدد مراكز النفوذ داخل المعسكر الواحد، ولذلك فإن أخطر ما واجه اليمن خلال السنوات الأخيرة يتمثل في احتمالية تفكك القوى المناهضة لميليشيا الحوثي وتحول المناطق المحررة إلى ساحات صراع موازية..
في أدبيات الأمن القومي، يكمن نجاح الدول بما تحققه من انتصارات أو بما تمنعه من تهديدات خارجية، فضلًا عن الحيلولة دون وقوع الدولة في أزمات وانهيارات وصراعات كان من الممكن أن تغيّر مسار الجغرافيا السياسية بأكملها، وفي الحالة اليمنية تحديدًا، ربما انشغل كثير من المتابعين طوال السنوات الماضية بالأسئلة المشروعة: متى تنتهي الحرب؟ وهل تستطيع الدولة اليمنية هزيمة الحوثيين؟، بينما كان السؤال الأكثر أهمية هو: هل يمكن الحفاظ على الدولة اليمنية نفسها من الانهيار الكامل؟
في الحروب الممتدة تسقط الدول دائماً نتيجة التشظي الداخلي، وتضارب المصالح، وتآكل المؤسسات، وتعدد مراكز النفوذ داخل المعسكر الواحد، ولذلك فإن أخطر ما واجه اليمن خلال السنوات الأخيرة يتمثل في احتمالية تفكك القوى المناهضة لميليشيا الحوثي وتحول المناطق المحررة إلى ساحات صراع موازية.
من هنا تكتسب التصريحات التي أدلى بها عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ مأرب اللواء سلطان العرادة في حواره مع الزميل الصحافي عبدالهادي حبتور، أهمية استثنائية؛ لأنها تكشف عن ملف ظل بعيداً عن التداول العلني، يتعلق بالدور الذي لعبته المملكة في منع انزلاق اليمن إلى صراع داخلي جديد خلال أحداث حضرموت والمهرة، وتُقدم هذه الشهادة السياسية الرسمية مفتاحاً مهماً لفهم التحول الذي طرأ على الاستراتيجية السعودية في اليمن، وتوسيع نظرتها في الأزمة اليمنية واعتبارها معركة أوسع تتعلق بالحفاظ على فكرة الدولة اليمنية ومنع انهيارها من الداخل.
وفي تقديري أن هذا التحول هو أحد أهم المتغيرات التي شهدها الملف اليمني خلال الأعوام الأخيرة، فبعد سنوات من التركيز على استعادة الدولة، أصبح الحفاظ على ما تبقى من مؤسساتها ومنع تشظي مكوناتها الوطنية هدفاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن أي تقدم عسكري على الأرض، ولهذا يُقرأ حديث العرادة كشهادة من داخل مؤسسة الحكم اليمنية على دور سعودي تجاوز الدعم العسكري والإغاثي والتنموي إلى مستوى أكثر تعقيداً من ناحية “الحفاظ على الاستقرار ومنع الانهيار”.
غير أن أهمية هذه الشهادة تكمن بما تعكسه من تطور في فهم المملكة لطبيعة التحديات التي تواجه اليمن والمنطقة على حد سواء، ففي السنوات الأولى من الأزمة، كان التهديد الأكثر وضوحاً يتمثل في تمدد الحوثيين وسيطرتهم على مؤسسات الدولة، ولذلك انصبت الجهود على حماية الشرعية ومنع سقوط اليمن بالكامل في قبضة مشروع مسلح مدعوم من الخارج، لكن مع امتداد سنوات الصراع، بدأت تتشكل معادلة أكثر تعقيداً؛ إذ ارتبط الخطر بما يمكن أن يحدث داخل المناطق المناهضة له إذا ما تراجعت قدرة الدولة على الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك السياسي والأمني، وهنا تحديداً برز التحول السعودي، الذي تعامل مع اليمن كدولة تحتاج إلى الحماية من الانهيار المؤسساتي، ومن الانقسامات البينية، ومن مخاطر التشظي التي رافقت كثيراً من تجارب الدول التي عانت من الحروب الممتدة.
ولعل ما يلفت الانتباه أن هذا التحول جاء في توقيت كانت فيه المنطقة بأسرها تشهد إعادة رسم لتوازناتها السياسية والأمنية، فالدول التي نجحت في تجاوز أزماتها لم تكن بالضرورة تلك التي حققت انتصارات عسكرية كبرى، بل تلك التي استطاعت المحافظة على مؤسساتها ومنع تفكك مكوناتها الوطنية أثناء الصراع، أما التي أخفقت في ذلك فوجدت نفسها أمام حروب جديدة أكثر تعقيداً من الحرب الأصلية، ومن هذا المنطلق يمكن فهم أهمية ما أشار إليه العرادة بشأن أحداث حضرموت والمهرة، فالقضية لم تكن مرتبطة بمحافظة أو منطقة بعينها، وإنما باحتمالية انتقال اليمن مرحلة الصراعات داخل معسكر الشرعية نفسه، وهي المرحلة التي كانت ستمنح الحوثيين أكبر مكسب استراتيجي منذ اندلاع الأزمة.
أدركت الرياض أن المحافظة على وحدة الجبهة المناهضة للحوثيين تمثل ضرورة استراتيجية؛ لأن أي تصدع داخلي كان سيؤدي عملياً إلى تقويض فكرة الدولة اليمنية التي يسعى جميع الأطراف إلى استعادتها، وفي تقديري أن هذا هو أحد أهم الأبعاد التي ستتناولها الدراسات السياسية مستقبلاً عند تقييم التجربة السعودية في اليمن؛ لأن الإنجازات الكبرى في كثير من الأحيان تتعلق بالحروب التي جرى منعها قبل أن تبدأ، ومنع العوامل التي تدفع الدول حو الانهيار.. دمتم بخير.
26
يونيو