إن ما يحدث اليوم في المملكة يتجاوز فكرة «الإنفاق الحكومي» التقليدية، ليقترب من بناء نموذج اقتصادي جديد قائم على تحويل الثروة النفطية إلى أصول إنتاجية مستدامة، فالمملكة تشتري المستقبل عبر بناء اقتصاد أكثر تنوعًا ومرونة وقدرة على التكيف مع التحولات الدولية الكبرى..
حين ترتفع مستويات الإنفاق الرأسمالي في السعودية إلى أعلى مستوياتها منذ عقد كامل، فإن قراءة المشهد لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الأرقام المالية أو مؤشرات الميزانية الفصلية، وإنما يجب أن تمتد إلى فهم التحول العميق الذي تعيشه الدولة في فلسفة إدارة الاقتصاد الوطني، فالقفزة التي سجلها الإنفاق الرأسمالي خلال الربع الأول من عام 2026 بنسبة بلغت 56%، تعبير واضح عن دخول المملكة فعلياً مرحلة “الحسم التنفيذي” لرؤية 2030، وهي المرحلة التي تتحول فيها الخطط والاستراتيجيات إلى واقع اقتصادي وتشغيلي يعاد عبره تشكيل بنية الاقتصاد السعودي بالكامل.
إعلان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عن دخول الرؤية مرحلتها الثالثة والحاسمة يحمل دلالة اقتصادية، يعني عملياً أن الدولة باتت ترى أن البنية التنظيمية والتشريعية والتمويلية وصلت إلى مستوى من النضج يسمح بالانتقال إلى “ذروة التنفيذ”، وهي المرحلة الأعلى تكلفة والأكثر تأثيراً في أي مشروع تحول اقتصادي شامل، ولذلك، فإن تسجيل الإنفاق الرأسمالي نحو 43.4 مليار ريال خلال ثلاثة أشهر فقط، يعكس تسارعاً في وتيرة بناء الأصول الوطنية الكبرى التي يُراد لها أن تصبح المحرك الأساسي لاقتصاد ما بعد النفط.
الأهم في هذا المشهد أن المملكة اتخذت قراراً استراتيجياً واضحاً، وهي أن الأولوية أصبحت لبناء قاعدة اقتصادية طويلة المدى قادرة على توليد النمو لعقود مقبلة، ولهذا جاء تمويل جزء كبير من هذا التوسع عبر أدوات الدين العام بصورة محسوبة ومدروسة، بما يتسق مع الممارسات الاقتصادية الحديثة التي تنظر إلى الدين كأداة إنتاجية عندما يُستخدم لبناء أصول استراتيجية ذات عوائد مستقبلية.
ومن هنا يمكن فهم التحول في طبيعة السياسة المالية السعودية خلال السنوات الأخيرة. فالمملكة تدير الميزانية “الاستثمار السيادي طويل المدى”، وهذا يفسر استمرار الإنفاق الضخم رغم التوترات الجيوسياسية الإقليمية، وتقلبات الاقتصاد العالمي، والتحديات المرتبطة بأسواق الطاقة؛ لأن الدولة تبدو اليوم أكثر اقتناعاً بأن التباطؤ في لحظة التحول التاريخي سيكون أكثر كلفة من الاستمرار في ضخ الاستثمارات الاستراتيجية.
النظر إلى تطور الإنفاق الرأسمالي منذ عام 2017 يكشف بوضوح طبيعة التحول التدريجي الذي مرت به الرؤية، ففي البدايات، كان التركيز موجهاً نحو إعادة هيكلة الاقتصاد، ورفع كفاءة الإنفاق، وبناء الأطر التنظيمية والتشريعية اللازمة، ولهذا بقي الإنفاق الاستثماري في مستويات حذرة نسبياً، لأن الأولوية آنذاك كانت لتأسيس “المنظومة” ثم جاءت جائحة كورونا لتختبر قدرة الاقتصاد السعودي على الصمود، إلا أن المملكة حافظت رغم الضغوط على حد أدنى قوي من الإنفاق التنموي، وهو ما عكس قناعة مبكرة بأن الاستثمار في البنية التحتية والقطاعات الحيوية يمثل جزءاً من أدوات التعافي الاقتصادي، وليس عبئاً عليه.
ويُمثل 2022 نقطة التحول الحقيقية، وهنا بدأت المشاريع الكبرى مثل نيوم والقدية ومشروعات البنية التحتية والربط اللوجستي تدخل مراحل التنفيذ الميداني واسعة النطاق، ما استوجب مستويات ضخمة من التدفقات الرأسمالية. ومع دخول 2026، يبدو واضحاً أن المملكة انتقلت إلى مرحلة “تعظيم أثرها الاقتصادي”، وهي تختلف جذرياً من حيث حجم الإنفاق وطبيعة التحديات.
ولا يمكن قراءة هذا التحول بعيداً عن التنافس الدولي المتزايد على سلاسل الإمداد والطاقة والممرات اللوجستية، فجزء كبير من الإنفاق الحالي يذهب إلى قطاعات ترتبط مباشرة بإعادة تموضع السعودية كمركز اقتصادي عالمي؛ من تطوير الموانئ والمطارات والخدمات اللوجستية، إلى تعزيز البنية الصناعية، ورفع كفاءة المدن، وتوسيع الاقتصاد الرقمي، وبناء قطاعات جديدة قائمة على التقنية والسياحة والطاقة المتجددة، ويعني هذا أن الإنفاق الرأسمالي موجه لإعادة تعريف موقع المملكة داخل الاقتصاد العالمي، وليس من أجل تحسين الخدمات فقط.
ومن الزوايا المهمة في المشهد الحالي أن المملكة تنظر إلى الإنفاق على الإنسان باعتباره استثمارا طويل الأجل في رأس المال البشري، ولهذا جاء النمو الملحوظ في الإنفاق على الصحة والتنمية الاجتماعية متزامناً مع القفزات الرأسمالية الكبرى. فبناء المدن الطبية والمرافق الصحية الحديثة وتطوير البنية التعليمية والمهارية يدخل ضمن رؤية أوسع تعتبر جودة الحياة والإنتاجية البشرية جزءاً من معادلة القوة الاقتصادية الوطنية.
كما أن هذا التوسع الاستثماري يبعث برسائل مباشرة للمستثمرين المحليين والدوليين، فحين تستمر دولة بحجم السعودية في رفع إنفاقها الرأسمالي رغم الاضطرابات الإقليمية، فإنها ترسل إشارة واضحة أن مشروع التحول الاقتصادي يمثل خياراً استراتيجياً طويل المدى تقوده الدولة بكامل أدواتها السيادية والمالية والتنظيمية.
وفي العمق، فإن ما يحدث اليوم في المملكة يتجاوز فكرة “الإنفاق الحكومي” التقليدية، ليقترب من بناء نموذج اقتصادي جديد قائم على تحويل الثروة النفطية إلى أصول إنتاجية مستدامة، فالمملكة تشتري المستقبل عبر بناء اقتصاد أكثر تنوعاً ومرونة وقدرة على التكيف مع التحولات الدولية الكبرى.
لهذا، تنبغي قراءة القفزة الرأسمالية الحالية باعتبارها مؤشراً على أن المملكة دخلت فعلياً المرحلة الأكثر حساسية وتأثيراً في “رؤية 2030″؛ مرحلة يصبح فيها التنفيذ هو المعيار الحقيقي، وتتحول فيها المشاريع العملاقة إلى أدوات فعلية لإعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع ومكانة المملكة في العالم.. دمتم بخير.
2
يونيو