يمكن قراءة “قمة جدة” كاستجابة خليجية لإعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة، في ظل تراجع اليقينيات التقليدية للنظام الدولي، وتزايد الاعتماد على الأطر الإقليمية كبدائل للضمانات الخارجية، وبصريح العبارة لم تعد تنتظر دول المجلس ترتيبات أمنية مفروضة من الخارج، وإنما تعمل على بناء نموذجها الخاص للأمن الجماعي، القائم على التكامل الاقتصادي والعسكري والسياسي..
صحيح أن انعقاد اللقاء التشاوري التاسع عشر لقادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في جدة، جاء في توقيت شديد التعقيد تعيشه منطقتنا، وفي سعي جاد لإعادة صياغة قواعد الاستقرار في المنطقة.
عُدت إلى البيان الصادر عن أمين عام مجلس التعاون جاسم محمد البديوي، محاولًا تفكيك أبعاده السياسية، فوجدت أنه يحمل في طياته مؤشرات على تحول نوعي في التفكير الاستراتيجي الخليجي، تقوده المملكة العربية السعودية برئاسة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ضمن إطار رؤية أشمل لإعادة ضبط معادلات الأمن الإقليمي.
اللافت في مخرجات القمة عدم تعاملها مع الاعتداءات الإيرانية في مربع “الأحداث المُنفصلة”، وإنما ضمن سياق أوسع يتعلق بتهديد بنيوي لمنظومة الاستقرار الإقليمي، ويعكس هذا التحول في التوصيف إدراكًا متقدمًا بأن التحدي يتجاوز الظرف الاستثنائي، إلى المساس بجوهر العلاقة بين الدولة الوطنية وسيادتها من جهة، وأنماط الفاعلين الإقليميين من جهة أخرى، ومن هنا، جاء التأكيد على المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة كمرجعية قانونية، لتأطير أي تحرك خليجي ضمن شرعية دولية واضحة، تعزز من موقع دول المجلس في النظام الدولي.
ما يميز هذه القمة محوران رئيسان هما: وضوح الموقف السياسي، وتوازيه مع مسار اقتصادي ولوجستي يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة “الصراع المفتعل”.. فالإشارة إلى إعادة تأهيل منشآت الطاقة بسرعة، والحفاظ على سلاسل الإمداد، تعكس تحول الدول الخليجية إلى فاعلين قادرين على امتصاص الصدمات وإعادة التوازن للأسواق العالمية، بدلًا من كونها أطرافا متأثرة بالأزمات، ويتقاطع هذا البعد مع أهمية مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، ويمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية، ما يجعل أي تهديد له قضية تمس الأمن الاقتصادي العالمي، وليس شأنًا إقليميًا، كما يحلو للبعض توصيفه.
وفي هذا السياق، فإن رفض دول المجلس لإغلاق المضيق أو فرض رسوم على الملاحة، يعكس تموضعًا استراتيجيًا كحارس لاستقرار النظام التجاري الدولي، وهو تموضع يتعزز مع تسارع المشاريع الخليجية المشتركة، من سكك الحديد إلى الربط الكهربائي والمائي، وصولًا إلى مشاريع أنابيب النفط والغاز، التي تشكل في مجموعها محاولة لبناء شبكة أمان استراتيجية تقلل من الاعتماد على نقاط الاختناق الجيوسياسية.
على المستوى العسكري، حملت القمة دلالات واضحة على الانتقال إلى مسار “التكامل العسكري”، بدلًا من مفهوم “التنسيق الدفاعي”، فالإشادة بقدرات القوات المسلحة الخليجية في التصدي للهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، مقرونة بالتوجيه لتسريع مشروع منظومة الإنذار المبكر، تعكس هي الأخرى استيعابًا لطبيعة تطور التهديدات، وتتطلب مواجهتها بُنية دفاعية جماعية قائمة على التكامل التقني والعملياتي.
غير أن البعد الأهم في القمة يكمن في التوازن الدقيق بين الردع والدبلوماسية. فرغم حدة الإدانة، أبقى البيان الباب مفتوحًا أمام مسار دبلوماسي مشروط بإعادة بناء الثقة، ويعكس هذا الطرح نهجًا خليجيًا جديدًا يقوم على “الردع المسؤول”، الذي لا ينزلق إلى التصعيد غير المحسوب، ولا يقبل في الوقت ذاته بفرض وقائع جديدة بالقوة، ويتسق ذلك مع التحولات الأوسع في السياسة السعودية، التي تسعى إلى تثبيت الاستقرار كمدخل للتنمية، ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.
من زاوية تحليلية أعمق، يمكن قراءة القمة كاستجابة خليجية لإعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة، في ظل تراجع اليقينيات التقليدية للنظام الدولي، وتزايد الاعتماد على الأطر الإقليمية كبدائل للضمانات الخارجية، وبصريح العبارة لم تعد تنتظر دول المجلس ترتيبات أمنية مفروضة من الخارج، وإنما تعمل على بناء نموذجها الخاص للأمن الجماعي، القائم على التكامل الاقتصادي والعسكري والسياسي.
في نهاية المطاف، يمكن القول إن قمة جدة الخليجية تتجه نحو “بناء الاستقرار”، و”الفعل الاستباقي، في سعي جاد إلى تأسيس مرحلة جديدة في العمل الخليجي المشترك، عنوانها الأبرز “أن أمن الخليج ضرورة دولية تتقاطع عندها مصالح الطاقة والتجارة والأمن العالمي”.. دمتم بخير.
2
يونيو