ما يميز ملامح هذا المشروع هو أن تصميمه تم وفق المواصفات والمعايير الدولية؛ خاصة من جانب الخدمات التي تم تأسيسها من خلال أنفاق تحتية مُخصصة للخدمات من الكهرباء والاتصالات والصرف الصحي، والتبريد المناطقي، ونظام جمع النفايات المركزي..
وصلتني إشارات إيجابية للمقال السابق، عن المشروع التنموي الكبير في مكة المكرمة “وجهة مسار”، الذي يهدف إلى إيجاد بيئة تطويرية واستثمارية خارج نطاق المنطقة المحيطة بالمسجد الحرام؛ وسيكون له بمشيئة الله دور حضري كبير في تطوير أطهر بقعة على وجه الأرض وفق مفاهيم جديدة ومستدامة، وسيُحدث نقلة نوعيّة لمستقبل سكّان العاصمة المقدّسة وزوّارها من الحجّاج والمعتمرين.
ما لفت الانتباه في هذا المشروع الذي تنفذه وتملكه شركة أم القرى للتنمية والإعمار، الزيارات التي قامت بها بعض البنوك السعودية والشركات الاستثمارية، للتعرف على مكوناته، وهو ما يبرهن على دلالة الأبعاد المستقبلية، على الخريطة الاستثمارية لمكة المكرمة.
برأيي أن أهم ما أسهم به “مسار” التعامل مع العشوائيات بالعاصمة المقدسة ومعالجتها بشكلٍ احترافي من خلال حصر العقارات التي تقع على أرض الوجهة، وعمل الرفع المساحي الخاص بها، ثم إجراء الإفراغات مع المُلّاك من خلال التنسيق مع الجهات الرسمية ذات العلاقة، لتبلغ جملة التعويضات التي تم تسليمها للمستفيدين حوالي 10 مليارات ريال حسب توجيهات هيئة تطوير منطقة مكة المكرمة، وهي تمثل المرحلة التمهيدية ما قبل التنفيذ.
للتعريف، انطلقت أعمال “مسار” في العام 2015، مع المقاول الرئيس في تنفيذ مشروعات البنية التحتيّة، وتمّ التعامل باحترافية عالية مع جميع الجوانب البيئية، وفق متطلبات المعايير العالمية، للمحافظة على سلامة واستدامة وخصوصية بيئة مكة المكرمة الطبيعية، كما تمّت إعادة استخدام الصخور بعد الانتهاء من أعمال حفر أنفاق قطار مترو مكة.
من الأولويات التي تمت مراعاتها أثناء تنفيذ عمليات حفر قطار مترو مكة الاهتمام بكافة الجوانب الجيولوجية؛ وذلك من خلال التنسيق مع الجهات الرسمية ذات العلاقة، مثل هيئة المساحة الجيولوجية السعودية، التي أبدتْ حرصاً كبيراً على عدم إعاقة مسارات أودية المياه الجوفية المتمثلة في وادي إبراهيم ووادي العتيبية ووادي العشر، عبر استخدام أحدث المعالجات العلمية والتقنية التي حافظت على سلاسة انسياب المياه الجوفية وتركيبتها.
ونجحت الشركة المنفذة أيضًا في معالجة كامل العقارات البالغ عددها ما يقرب من أربعة آلاف عقار في هذه الأحياء العشوائية، خلال فترة زمنية قياسية بلغت 5 أعوام فقط، والتزمت بمساعدة لمُلاك العقارات السابقين ومعالجة الأحياء العشوائية وتحويلها بيئة نموذجية، وذلك عبر تطوير منظومة متكاملة للبنية التحتية، ورفع كفاءة الخدمات كماً وكيفاً، وتطوير مرافق ووسائل النقل العام والمواصلات الحديثة في سبيل تطوير مكة المكرمة وتعزيز جودة الحياة فيها لسكانها وزوارها من المعتمرين والحجاج.
المعلومات التي استقصيتها – وفي ظني أنها حيوية جدًا – تشير إلى أن وجهة “مسار” ستستقبل ما يزيد على 60 % من حركة المركبات القادمة إلى مكة المكرمة، ما يخفف الضغط على منطقة الحرم، ويسهل حركة ضيوف الرحمن وقاصدي المسجد الحرام القادمين إلى مكة والمغادرين على حد سواء، والذين يتوقع أن يصل عددهم إلى 90 ألف زائر في الساعة وقت الذروة، وسيوفر المشروع وسائل نقل متعددة تشمل شبكة حافلات ترددية وقطار مترو مكة، سيستفيد منها حوالي 5 ملايين زائر ومقيم بالعام في أوقات الذروة وذلك بحلول 2035.
عند استعراض حيثيات مشروع “مسار المركبات” من المهم أن نعلم أن استيعاب طريق الحركة الرئيس في 2035 بالاتجاهين من سيارات وحافلات، سيبلغ وقت الذروة صباحاً عبر جسر الطريق الجنوبي نحو 3258 مركبة والخارجة عبر الطريق الشمالي حوالي 4100 مركبة، بينما سيصل عدد المركبات الداخلة إلى المنطقة وقت الذروة مساء نحو 4270 مركبة، والخارجة منه تقترب من 6 آلاف مركبة.
أما مسار المشاة الرئيس فيمثل الامتداد الطبيعي لساحات الحرم المكي الشريف، وقد تمّ ربطه بأنفاق فرعية وجسور للمشاة تسهم في ربط “مسار” والمناطق المجاورة لها جنوباً وشمالاً؛ من دون أيّ تداخل مع حركة سير المركبات، وستبلغ مساحة مسار المشاة حوالي 150 ألف متر مربع عند انتهاء تنفيذ كافة أعمال البنية التحتية في العام 2021، أما عدد المشاة بالمسار المتجهين للحرم الشريف عبر جبل عمر سيصل إلى 81,600 شخص في ساعة الذروة (ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان/ليلة العيد) في العام 2035.
أخيرًا.. ما يميز ملامح هذا المشروع هو أن تصميمه تم وفق المواصفات والمعايير الدولية؛ خاصة من جانب الخدمات التي تم تأسيسها من خلال أنفاق تحتية مُخصصة للخدمات من الكهرباء والاتصالات والصرف الصحي، والتبريد المناطقي، ونظام جمع النفايات المركزي الممتدة على كلّ وجهة “مسار”، لتشمل جميع الأراضي.. دمتم بخير.