السعودية تُضيء اليمن بالكهرباء، والأهم، أنها تُنير مسارًا سياسيًا جديدًا في الجنوب، عنوانه «الدولة أولًا، والمؤسسات أساسًا، والتنمية بوابة للاستقرار، وهو مسار، مهما بدا هادئًا، يحمل في طياته رسالة واضحة لكل من راهن على الفراغ، أو استثمر في الظلام أن الضوء حين يأتي من مشروع تنموي صادق، فإنه لا يترك مجالًا لغيره..
عندما نتطرق إلى أزمة الكهرباء في اليمن، فلا يمكن بأي حال من الأحوال، وضعها ضمن إطار “الخلل التقني” أو “العجز التشغيلي”، أما إذا سألت لماذا؟، فالإجابة بوضوح؛ لأنها تحولت خلال سنوات الصراع إلى مؤشر سياسي بالغ الدلالة على طبيعة الأدوار الإقليمية، ومنهجية التعامل مع الدولة اليمنية، وهنا أتساءل كما يتساءل غيري: هل هي دولة يُعاد بناؤها بمؤسساتها، أم ساحة نفوذ تُدار بالولاءات المؤقتة؟
وفي هذا السياق، جاءت الخطوة السعودية الأخيرة لتضع حدًا لهذا الالتباس، وتعيد تعريف مفهوم “الدور” من زاوية التنمية المستدامة أولًا وقبل كل شيء، وتُرجم ذلك بتوقيع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في الواحد والعشرين من يناير الماضي، اتفاقية استراتيجية ثلاثية مع وزارة الكهرباء والطاقة اليمنية، وشركة النفط اليمنية “بترومسيلة”، لتوفير مشتقات نفطية مخصصة لتشغيل أكثر من 70 محطة كهرباء في عدد من المحافظات اليمنية، وهي اتفاقية تحمل في عمقها تحوّلًا سياسيًا هادئًا، يعكس فلسفة مختلفة في إدارة الملف اليمني، قوامها تمكين الدولة وبناء الاستقرار.
بحسب البيان الرسمي الصادر عن البرنامج، تبلغ كميات المشتقات النفطية المقدمة نحو 339 مليون لتر من مادتي الديزل والمازوت، بقيمة إجمالية تصل إلى 81,2 مليون دولار، غير أن أهمية هذه الأرقام تكمن في طبيعة توظيفها؛ إذ لم تُمنح كحل إسعافي مؤقت، بل صُممت كأداة دعم متكاملة تستهدف تعزيز كفاءة المؤسسات الحكومية اليمنية، وضمان استمرارية الخدمات، وتشغيل المنشآت الحيوية، بما يحفّز التعافي الاقتصادي ويعيد الثقة في قدرة الدولة على القيام بوظائفها الأساسية.
هذا التحول النوعي في المقاربة السعودية لا يمكن فصله عن الفراغ الذي خلّفته أدوار إقليمية سابقة في المحافظات الجنوبية، حيث أُديرت ملفات الخدمات، وعلى رأسها الكهرباء، بمنطق النفوذ، وبمنهج “أمني – سياسي” منفصل عن البناء المؤسسي، فالكهرباء، التي يفترض أن تكون حقًا عامًا، تحولت في بعض المراحل إلى ورقة ضغط، أو أداة مكافأة، أو وسيلة لإدامة الهشاشة مع الأسف الشديد.
في المقابل، اختارت المملكة مسارًا مختلفًا تمامًا، فهي لم تدخل من بوابة القوى المحلية أو التشكيلات المسلحة، بل من باب الدولة اليمنية ذاتها، عبر وزاراتها وشركاتها الوطنية، وعلى رأسها “بترومسيلة”، بما يعكس احترامًا صريحًا للسيادة المؤسسية، وإيمانًا أن التنمية لا تُبنى على كيانات مليشاوية موازية، مهما بلغت قوتها العسكرية أو حضورها الإعلامي.
الأهم من ذلك أن الدعم السعودي للكهرباء، جاء ضمن رؤية أشمل لإعادة تشغيل عجلة الحياة في اليمن، فاستقرار الكهرباء يعني استقرار المستشفيات، والمدارس، ومحطات المياه، والقطاع التجاري، والموانئ، وكل ما يرتبط بسلسلة الاقتصاد المحلي، وهو ما يجعل من هذه الاتفاقية نقطة ارتكاز تنموية، تتجاوز منطق “الإغاثة” إلى منطق “التعافي”.
سياسيًا، تعكس هذه الخطوة قدرة المملكة على ملء الفراغ، فبينما انسحبت بعض الأطراف تدريجيًا من أدوارها المباشرة في الجنوب، تاركة خلفها مشهدًا معقدًا من الانقسامات والخدمات المتعثرة، تقدمت السعودية بثبات، واضعة التنمية في صدارة أدوات التأثير، ومقدمة نموذجًا يُصعّب مقارنته بأي دور آخر لا يستند إلى مؤسسات الدولة.
ولعل ما يمنح هذه الخطوة وزنها السياسي الحقيقي، هو أنها لا تُقدّم كمنّة، بل تُدار ضمن إطار برنامج تنموي متكامل، سبق له تنفيذ مئات المشاريع في قطاعات الصحة، والتعليم، والمياه، والطرق، والطاقة. وهو ما يؤكد أن استقرار الكهرباء حلقة ضمن سلسلة متصلة من إعادة بناء اليمن من الداخل، وبما يخدم أمنه واستقراره ووحدته.
إن قراءة هذا المشهد بعمق تكشف أن المملكة تعمل على استقرار اليمن وعودة الحياة، فحين تُضاء المدن، وتستقر الخدمات، وتعود المؤسسات للعمل، يصبح السؤال عمن يدعم ويبني الاستقرار لهذا البلد الجار؟، وفي هذا الفارق الجوهري، تتضح المسافة بين دورٍ تنموي يراكم الاستقرار، وأدوار أخرى اكتفت بإدارة الفوضى.
في نهاية المطاف، يمكن القول إن السعودية تُضيء اليمن بالكهرباء، والأهم، أنها تُنير مسارًا سياسيًا جديدًا في الجنوب، عنوانه “الدولة أولًا، والمؤسسات أساسًا، والتنمية بوابة للاستقرار، وهو مسار، مهما بدا هادئًا، يحمل في طياته رسالة واضحة لكل من راهن على الفراغ، أو استثمر في الظلام أن الضوء حين يأتي من مشروع تنموي صادق، فإنه لا يترك مجالًا لغيره.. دمتم بخير.
3
فبراير