يعكس هذا التوجه وعي المملكة بدورها في تقديم سردية إسلامية متوازنة للعالم، تتعامل مع التاريخ بعلم، وتقدّمه برصانة، وتربطه برؤية مستقبلية واضحة، وفي هذا الإطار، يتقاطع تطوير المواقع التاريخية مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 وبرامجها المعنية بخدمة ضيوف الرحمن، بوصف هذه المواقع عنصر قوة حضارية وثقافية، لا عبئًا تراثيًا..
يمكن النظر إلى تطوير المواقع التاريخية والوجهات الإثرائية في المملكة بوصفه تحولًا معرفيًا في طريقة مقاربة العلاقة بين الدين والتاريخ والإنسان، لا بوصفه مسارًا سياحيًا أو عمرانيًا تقنيًا، بإعادة تأهيل موقع ارتبط بالسيرة النبوية لا تنطلق من سؤال الشكل أو الوظيفة، بل من سؤال المعنى والدلالة؛ أي كيف يُعاد تقديم هذا المكان ضمن سردية واعية تحفظ قيمته العلمية، وتُدير ذاكرته الحضارية دون أن تختزلها في خطاب وجداني سريع، أو تُحمّلها تأويلات تتجاوز أطرها المنهجية الرصينة.
وعلى امتداد التجارب الدولية، واجهت كثير من الدول معضلة التعامل مع مواقعها الدينية والتاريخية بين نزعتين متطرفتين: إحداهما عاطفية تُغرق المكان في التقديس إلى حد فصله عن سياقه الزمني والتاريخي، والأخرى إدارية باردة تُفرغه من رمزيته وتحوّله إلى معلم صامت، في المقابل، تتشكل المقاربة السعودية ضمن مسار ثالث أكثر اتزانًا، يقوم على إدارة التاريخ لا استهلاكه، وعلى حماية الذاكرة دون تجميدها، مستندًا إلى وعي مؤسسي يدرك أن هذه المواقع ليست معالم مادية فقط، بل شواهد حضارية تسهم في تشكيل الوعي الإسلامي الجمعي، وتستدعي تقديمها بميزان علمي يحفظ معناها ويصون أثرها.
هذا التحول لا ينفصل عن الرؤية الأشمل التي تنطلق منها الدولة في خدمة ضيوف الرحمن، حيث لم يعد تحسين التجربة محصورًا في كفاءة الخدمات أو سهولة التنقل، بل امتد ليشمل البعد المعرفي والوجداني للرحلة، فزيارة موقع ارتبط بالسيرة النبوية، حين تُقدَّم ضمن إطار تفسيري علمي، تتحول إلى تجربة تعليمية تُثري الفهم أكثر منها محطة عابرة، إذ تُعيد وصل الزائر بالسياق الزماني والمكاني للأحداث، لتتحول هنا المواقع التاريخية إلى أدوات لبناء الوعي، لا نقاط جذب استهلاكية.
إن العناية بالمواقع المرتبطة بالسيرة النبوية تنبع من إدراك عميق بأنها تمثل جزءًا أصيلًا من الهوية الإسلامية العالمية، ومن ثم، فإن تعظيم هذه المواقع لا يتحقق عبر تضخيمها عمرانيًا أو إغراقها بالرموز، بل عبر ضبط سرديتها، وحمايتها من الاختزال أو التوظيف الخاطئ، وتقديمها بوصفها فضاءات للتأمل والفهم؛ إذ #للذكرى_أثر حين تُصان الذاكرة ويُدار معناها بوعي، لأن القيمة هنا في المعنى، لا في الشكل، وفي العمق لا في الكثافة.
ضمن هذا السياق، انتقلت المملكة من مفهوم “الحماية السلبية” للمواقع التاريخية إلى “الإدارة النشطة للتاريخ”، وهي إدارة تتقاطع فيها الأطر التشريعية، والإشراف العلمي، وتنظيم حركة الزوار، وتوظيف التقنيات الحديثة في التفسير والعرض، ويضمن هذا التكامل المؤسسي فتح المواقع أمام الزوار دون تعريضها للاستنزاف، ويحقق معادلة دقيقة بين الإتاحة والحفظ، وبين الحضور والوقار.
بالنسبة لضيف الرحمن، تشكّل هذه المواقع مفاتيح لفهم السيرة النبوية بعيدًا عن التلقي السريع أو الخطاب العاطفي المكثف، فالمكان هنا لا يُقدَّم بوصفه أثرًا جامدًا، بل كجزء من سرد تاريخي متكامل، يعيد ترتيب العلاقة بين النص والمكان، ويمنح الزائر فرصة للتأمل الهادئ، ما يجعل الأثر المعرفي والوجداني أكثر رسوخًا واستدامة بعد انتهاء الرحلة.
على المستوى الاستراتيجي، يعكس هذا التوجه وعي المملكة بدورها في تقديم سردية إسلامية متوازنة للعالم، تتعامل مع التاريخ بعلم، وتقدّمه برصانة، وتربطه برؤية مستقبلية واضحة، وفي هذا الإطار، يتقاطع تطوير المواقع التاريخية مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 وبرامجها المعنية بخدمة ضيوف الرحمن، بوصف هذه المواقع عنصر قوة حضارية وثقافية، لا عبئًا تراثيًا.
هكذا، لا يبدو تطوير المواقع التاريخية والوجهات الإثرائية مشروعًا تحسينيًا محدود الأثر، بل خيارًا استراتيجيًا يعيد تعريف تجربة ضيف الرحمن، ويضع الذاكرة النبوية في موقعها الطبيعي، بكونها محفوظة، ومُقدَّمة بوعي علمي وإنساني يليق بقيمتها، ويجعل من الرحلة الدينية تجربة متكاملة تجمع بين العبادة، والمعرفة، والتأمل الحضاري العميق.. دمتم بخير.
16
يناير