1)
وجود التحالف العربي في اليمن، لم يكن منذ بدايته الأولى معنى فقط بوضع ترتيبات عسكرية عابرة، بل كان مشروعًا استراتيجيًا تقوده السعودية (بالتوازي) دفاعًا عن أمنها القومي، وعن النظام الإقليمي العربي، وعن الشرعية اليمنية التي انقلب عليها مليشيا الحوثي في عام 2014، بدعم إيراني مباشر، وفي هذا السياق شكّل دخول دولة الإمارات العربية المتحدة ضمن هذا التحالف رهانًا سياسيًا وأمنيًا على وحدة الموقف الخليجي وتكامل المصالح وتوحيد الجهود في مواجهة المشروع الإيراني التوسعي في جنوب الجزيرة العربية، لكن ماذا حدث بعد ذلك؟
ما حدث بعد ذلك، بدءًا من عام 2018، حدوث تغير وانحراف خطير في السلوك الإماراتي داخل اليمن، بتحوّل دورها من شريك في معركة استعادة الدولة إلى لاعب يعمل على تفكيكها من الداخل، عبر انشاء ما يسمى لاحقًا بمليشيا “المجلس الانتقالي الجنوبي”، ثم تمكينه، تسليحه، تمويله، وإدارته سياسيًا وإعلاميًا في مشهد لا يمكن تفسيره إلا بعبارة واحدة لا غير، وهي “الانقلاب التام على أهداف التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، وخروجًا صريحًا عن منطق الشراكة الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية”.
دخلت الإمارات الحرب تحت عنوان “دعم الشرعية”، لكنها سرعان ما أسست مشروعًا موازياً يقوم على بناء مليشيات خارج إطار الدولة اليمنية، وتفكيك المؤسسة العسكرية الشرعية، وتمكين كيان سياسي موازٍ للدولة، والسيطرة على الموانئ والجزر الاستراتيجية من عدن إلى سقطرى والمخا والمكلا وغيرهم، وتعطيل أي مسار يوحّد اليمنيين في مواجهة مليشيا الحوثي، وعلينا أن نكون أكثر تدقيقًا في توصيف ما قامت به حكومة أبوظبي، فنحن هنا لا نتحدث عن أخطاء تكتيكية، بل عن مشروع سياسي متكامل يناقض جوهر الهدف السعودي المعلن، المتمثل في استعادة الدولة اليمنية الموحدة، وإنهاء الانقلاب الحوثي، وحماية أمن المملكة وحدودها الجنوبية.
ما نتصوره كمراقبين للحالة السياسية والعسكرية، أن التحركات الإماراتية الأخيرة في المهرة وحضرموت تمثل ذروة هذا الانحراف، في محاولة صريحة من أبوظبي لإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية لليمن بما يخدم مشروعًا إماراتيًا خاصًا يقوم على التحكم بالمنافذ البحرية والبرية، وتعطيل أي نفوذ سعودي مباشر في شرق اليمن، وفرض معادلات جديدة بالقوة على شريك استراتيجي يفترض أنه حليف لا خصم، ولذا، جاء تدخل المملكة بالطيران، وإيقاف شاحنات الإمداد العسكري للمجلس الانتقالي لإعادة ضبط المشهد في تلك المناطق، في رد سيادي حتمي على تجاوزات مست الأمن القومي السعودي واليمني والعماني على حدٍ سواء، من خلال محاولة فرض أمر واقع بالقوة.
أما المجلس الانتقالي الجنوبي، فنقول بصريح العبارة، هو ليس مشروعًا وطنيًا يمنيًا بقدر ما هو أداة نفوذ إماراتية مكتملة الأركان، قياداته تتحرك بأوامر وتمويل من أبو ظبي، وتستمد شرعيتها السياسية من الخارج لا من الداخل اليمني، وتُستخدم كغطاء لتفكيك الدولة اليمنية تحت شعار “القضية الجنوبية” التي لا يختلف أحد على نُبلها وعدالتها واستحقاقها، في حين أن النتيجة الفعلية هي تحويل اليمن إلى كانتونات تخدم مصالح غير يمنية وتفتح الباب واسعًا أمام تمدد الحوثي وإيران وخلق واقع لحليف اسرائيلي كما حدث مع صوماليا لاند.
وإذا نظرنا إلى الصورة الأوسع، يتضح أن اليمن ليس استثناءً، بل حلقة ضمن ما يمكن تسميته بـ “العقيدة الجيوسياسية الإماراتية”، القائمة على إدارة الصراعات بدل حلّها، وعلى بناء النفوذ عبر المليشيات بدل الدولة، وعلى الاستثمار في الفوضى باعتبارها رافعة للهيمنة، وهذا النمط يتكرر في السودان عبر دعم قوى مسلحة خارج إطار الدولة، وفي الصومال عبر توظيف الموانئ والجزر كأدوات نفوذ سياسي، وفي اليمن عبر تفكيك الشرعية وتمكين كيان موازٍ لها، إنها استراتيجية قصيرة النظر، تنتج نفوذًا هشًا وأعداء دائمين، وتضع أبوظبي في مسار تصادمي مع محيطها الطبيعي بدل أن تكون ركيزة استقرار له.
في المقابل تتعامل المملكة مع المشهد بعقل الدولة الكبرى وبمنطق التاريخ والجغرافيا السياسية، فالسعودية دولة كبيرة ومركز ثقل العالمين العربي والإسلامي، ومرتكز النظام الإقليمي وضامن توازناته، وأمنها ليس شأنًا وطنيًا فحسب، بل معادلة استقرار إقليمي، لذلك، فإن محاولات تجاوزها أو تحجيم دورها عبر مليشيات أو حملات إعلامية أو تحالفات عابرة، استراتيجيًا فادحًا في قراءة ميزان القوة في المنطقة.
2)
وإذا أصرت أبو ظبي على الاستمرار في هذا المسار، فإنها تدخل اختبارًا تاريخيًا شديد الخطورة، ستفقد الثقة السعودية، وهو أهم رصيد استراتيجي تمتلكه في الإقليم، وستتحول من شريك إلى عبء سياسي وأمني، وستفتح على نفسها جبهات لا قدرة لها على إدارتها، ولن ينفعها أي تحالف خارجي في موازنة ثقل المملكة إقليميًا ودوليًا، لأنها قادرة بحكم وزنها السياسي والديني والاقتصادي على إعادة ضبط البيئة الاستراتيجية للإقليم بطريقة تجعل من المشروع الإماراتي في اليمن عبئًا ثقيلاً على أبوظبي لا رصيدًا لها.
هذه ليست دعوة للصدام، بل رسالة عقلانية إلى صاحب القرار في أبو ظبي، وهي أن السعودية لا تريد خصومة مع الإمارات، ولا تسعى إلى إضعافها، بل تريد شراكة متوازنة تقوم على احترام المصالح الأمنية السعودية، وعدم العبث بوحدة اليمن، ووقف استخدام المليشيات كأدوات نفوذ، والعودة إلى منطق الدولة لا منطق الشركات الأمنية، لكن التاريخ يعلمنا أن من يراكم الأخطاء الاستراتيجية ثم يراهن على الوقت، يخسر حين تحين لحظة الحقيقة.
والخيار اليوم واضح وحاسم، فإما شراكة استراتيجية حقيقية مع السعودية تعيد الاعتبار لمنطق الدولة والاستقرار… أو مسار عزلة سياسية تفرضه السياسات لا الخصومات.. ومن يتجاوز المملكة في اليمن اليوم، سيخسر الإقليم غداً…
دمتم بخير.