إلى أين وصلت السعودية في صناعتها الدفاعية؟

نعلم أنه ما زال أمامنا تحديات في القدرات الصناعية لإنتاج أسلحة متطورة للغاية بشكل مستقل -وهذا أمر طبيعي- إلا أن النتائج على الأرض، وهي كثيرة ولله الحمد، واهتمام قيادتنا باستراتيجية توطين الصناعات العسكرية ستُبرزان نتائج إيجابية على المديين المتوسط والبعيد..

هل يجلب السلامُ الأمنَ والاستقرارَ في المنطقة؟

السعودية اليوم كدولة قائدة للعالمين العربي والإسلامي، تعي ربما أكثر من غيرها أهمية أخذ زمام المنطقة نحو “السلام” و”التنمية”، ولكن ليس على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، وهو ما أكده سمو ولي العهد في لقائه الأخير بقناة فوكس نيوز الأميركية، فـ”لا سلام مع الإسرائيليين على حساب الفلسطينيين”..

جهود تنشيط عملية السلام في الشرق الأوسط

مبادرة السلام العربية هي مبادرة أطلقها الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- للسلام في الشرق الأوسط بين إسرائيل والفلسطينيين، هدفها إنشاء دولة فلسطينية معترف بها دولياً على حدود 1967 وعودة اللاجئين وانسحاب من هضبة الجولان المحتلة، مقابل اعتراف وتطبيع العلاقات بين الدول العربية مع إسرائيل..

النخبة الأميركية تقود مراجعات عميقة لتقييم العلاقات مع المملكة

بغض النظر عمّن سيجلس في البيت الأبيض في العام 2025، فإن الأزمات الأمنية التي يمكن التنبؤ بها والتي لا يمكن التنبؤ بها ستشتت الانتباه، لا سيما مع احتمال استمرار العداء والمواجهة الصينية والروسية مع الولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم..

المدار السياسي السعودي في قمتي جدة

تعي السعودية والدول الخليجية ودول آسيا الوسطى، أهمية التزامهم جميعًا بتأسيس شراكة مستقبلية قوية وطموحة بين دولهم، بناءً على القيم والمصالح المشتركة والروابط التاريخية العميقة بين شعوبهم والتعاون القائم بينهم على المستويين الثنائي ومتعدد الأطراف، وفي شتى المجالات..

إدارة المنظومة المائية في الحج.. الدلالات والأبعاد الخدماتية

عملت المنظومة المائية المتكاملة الإلكترونية، على إدارة العمليات التشغيلية، ومتابعة حالة الشبكات ووفرة المياه في الخزانات التشغيلية والاستراتيجية، فضلًا عن التنبؤ بحالات الطوارئ قبل حدوثها لمعالجتها استباقيًا..
من الدلالات التي نفتخر بها كمواطنين سعوديين، هو أن الله -عزوجل- شرف هذه البلاد لخدمة ضيوف الرحمن، وهي من أجلّ النعم التي منحنا بها المولى -عزوجل-. وأهنئ قيادتنا وجميع الأجهزة المعنية بقطاع الحج من العسكرية إلى الأمنية والمدنية –من دون استثناء- بنجاح موسم حج 1444هـ، منطلقًا في ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم “لا يشكر الله من لا يشكر الناس”. وحتى لا يكون المقال انطباعيًا أو تعبيريًا، من المهم التوقف عند شكل ونوعية الخدمات التي قدمت خلال موسم حج 1444هـ، ليعلم الرأي العام الداخلي قبل الخارجي، المدى الذي وصلت له بلادنا في تحويل مسار خدمات الحج من عمل بيروقراطي إلى صناعة حقيقية، تهدف إلى راحة ضيوف الرحمن والتيسير عليهم لأداء هذه الشعيرة المقدسة التي تمثل لأغلبهم “رحلة الأحلام والعمر” بما يتوافق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تعمل على تحسين رحلة الحج وإثرائها للحاج، وهو الهدف المركزي الذي انطلقت منه تطور الخدمات التي شهدناها هذا الموسم سواء المباشرة وغير المباشرة. لقربي من دائرة ما يعرف بـ”إعلام الحج” سأركز على إحدى الخدمات غير المباشرة، والتي لها خط تماس مباشر مع الحجيج، المتمثل في المياه، لكن هل تساءلنا عن أبرز تقنيات إدارة المياه التي تم تنفيذها خلال موسم حج هذا العام؛ لتغطية حاجة الحجيج من الاغتسال، والوضوء، والتنظيف، وإمدادات شبكة التبريد (المكيفات الصحراوية) بمشعر منى؟ كميات هائلة من المياه تضخ يوميًا، وبنى تحتية واسعة الانتشار، نجحت في الوصول إلى ملايين من الحجيج من ضيوف الرحمن؛ وذلك من خلال نجاح شركة المياه الوطنية في استخدام التقنيات الرقمية الحديثة لتنفيذ خطتها التشغيلية ومتابعة عمليات توزيع المياه في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، حيث عملت على إدارة منظومة الخدمات المائية والبيئية من خلال مركزي تحكم ومراقبة في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة يعملان على مدار الـ24 ساعة، لإدارة ومتابعة الخزن الاستراتيجي والتشغيلي ومنظومة التوزيع اليومية لمياه الشرب ونقاط استخدامها، وذلك باستخدام تقنيات ذكية للمراقبة والتحكم لإدارة وتشغيل منظومة المياه مع متابعة جودة المياه من خلال فحوصات مخبرية لحظية لمصادر المياه وشبكات التوزيع، وكذلك قياس مستويات الضغوط التشغيلية من خلال الحساسات الإلكترونية للمنظومة ومتابعتها عن بُعد في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة ومرافق المسجد الحرام، وذلك لتعزيز كفاءة عملياتها التشغيلية اليومية، وهو ما ضمن -بعد توفيق الله- استدامة الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن، وإخطار الفرق الميدانية بمعالجة المشكلة بشكل فوري. عملت المنظومة المائية المتكاملة الإلكترونية، على إدارة العمليات التشغيلية، ومتابعة حالة الشبكات ووفرة المياه في الخزانات التشغيلية والاستراتيجية، فضلًا عن التنبؤ بحالات الطوارئ قبل حدوثها لمعالجتها استباقيًا. ولرفع كفاءة شبكة المياه في المشاعر المقدسة والمناطق المركزية في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتقديم جودة الخدمة المقدمة لضيوف الرحمن، تم استخدام التقنيات الحديثة، لتحليل البيانات ومؤشرات الأداء، بكميات خزن استراتيجية وتشغيلية تصل إلى أكثر من 3 ملايين متر مربع. كلمة السر في المنظومة الرقمية المائية، تعود إلى نظام سكادا (SCADA) الذي يدار من خلال غرف المراقبة والتحكم، وهو متخصص في متابعة ضغوط المياه في الشبكات والخزانات بالمشاعر المقدسة ومكة المكرمة، ويهدف إلى تشغيل أهم مكونات منظومات المياه باستخدام تقنيات التحكم عن بعد مع قياس مناسيب المياه في الخزانات وجودة المياه فيها، وكذلك قياس كميات إمداد المياه، وقياس الضغوط في نقاط الاستهلاك العديدة، بإشراف كوادر وطنية مدربة.. دمتم بخير.  

مبادرة «طريق مكة».. هندسة سعودية للحج المُيسر

حققت مبادرة “طريق مكة” خلال السنوات القليلة الماضية نجاحات متوالية؛ لكونها برأيي تنطلق من هندسة معيارية في اختيار البلدان التي سيتم إدراجها في كل موسم، وهو لب النجاح بعد توفيق الله عز وجل؛ لأنها دراسة مستفيضة تجمع بين محددات معينة..
لطالما كانت خدمة حجاج بيت الله الحرام بالنسبة للسعودية إطارًا محوريًا يتجاوز المفهوم التقليدي من حيث أداء وتقديم الخدمات لضيوف الرحمن، إلى وعي قيمي يتشكل في تعاطي القيادة مع هذه الشعيرة المقدسة التي يفد إليها الحجيج من كل فج عميق، وهم يأملون أداء نسكهم بكل يسر وطمأنينة. منذ عقود والجهات المؤسسية المعنية بالحج تعمل باستمرار ومن دون توقف في كل ما من شأنه تيسير الأمور على ضيوف الرحمن، وهي نقطة غاية في الأهمية إذا ما أردنا إدراك تفاصيل ما تقوم به السعودية اليوم في هذا الاتجاه، حيث المعادلة التي تقوم عليها تتمحور بكل بساطة وعمق حيال تفاعلاتها حول السؤال التالي: كيف نستطيع أن نجعل من الحج رحلة إيمانية لا تنسى بالنسبة لضيوف الرحمن؟ وبناء على ذلك خرجت المبادرات التنفيذية تلو المبادرات، واجتمعت وتوحدت كافة القطاعات المعنية لدراسة التحديات وتذليل الصعوبات؛ لتقديم أقصى درجات الجودة الخدماتية لهذه الشعيرة المقدسة. من المبادرات التي أثبتت نجاحها المرحلي مبادرة “طريق مكة” والتي أطلقتها وزارة الداخلية وشركاؤها ضمن برنامج “خدمة ضيوف الرحمن”، أحد برامج رؤية السعودية 2030، وهي تهدف إلى استقبال ضيوف الرحمن، وإنهاء إجراءاتهم من بلدانهم بسهولة ويسر، بدءًا من إصدار التأشيرة إلكترونيًا، وأخذ الخصائص الحيوية، مرورًا بإنهاء إجراءات الجوازات في صالة المبادرة بمطار بلد المغادرة بعد التحقق من توفر الاشتراطات الصحية، إضافة إلى ترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل والسكن في المملكة العربية السعودية، بحيث ينتقلون مباشرة عند وصولهم إلى حافلات تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة والمدينة المنورة، بمسارات مخصصة، في حين تتولى الجهات الخدمية إيصال أمتعتهم إلى مساكنهم. حققت مبادرة “طريق مكة” خلال السنوات القليلة الماضية نجاحات متوالية؛ لكونها برأيي تنطلق من هندسة معيارية في اختيار البلدان التي سيتم إدراجها في كل موسم، وهو لب النجاح بعد توفيق الله عز وجل؛ لأنها دراسة مستفيضة تجمع بين محددات معينة. في موسم حج 1444هـ سيتم تنفيذ المبادرة في سبع دول، هي: ماليزيا، وإندونيسيا، وباكستان، والمغرب، وبنغلاديش، وتركيا، وساحل العاج (كوت ديفوار)، وبمشاركة من وزارات “الخارجية والصحة والحج والعمرة” والهيئة العامة للطيران المدني وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي “سدايا”، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات. وللاستذكار التاريخي فإن وزارة الداخلية بدأت بتنفيذ مبادرة “طريق مكة” في موسم حج 1439هـ بدولتي “ماليزيا وإندونيسيا”، وفي العام الذي يليه أدرجت خمس دول وهي: تونس وباكستان وبنغلاديش للمبادرة، وفي هذا العام انضمت المغرب إلى دول باكستان وماليزيا وأندونيسيا وبنغلاديش. وإذا أردت أن تعرف أبعاد هذه المبادرة التي تتجاوز “كاونترات” إنهاء الإجراءات في صالات مغادرة البلدان المدرجة، فما عليك سوى استعراض ما يقوم بنشره الحساب الرسمي لمبادرة “طريق مكة” على منصة تويتر (@MakkahRoute) الذي يعطي أي متابع صورة شاملة مسنودة بفيديوهات وصورة تظهر وجوه الحجيج وسعادتهم الغامرة من إنهاء الإجراءات حتى وصولهم إلى مقار سُكناهم بيسر وسهولة إلى مكة المكرمة أو المدينة المنورة.. دمتم بخير.  

كيف ينظرون إلى قيادتنا السياسية السعودية؟

علينا كرأي عام وطني أن نستوعب جيدًا أن ولي العهد يسعى من خلال التحركات الجيوسياسية هنا وهناك، إلى التأكيد على القوة الإقليمية للمملكة؛ وذلك من خلال استخدام مكانة بلادنا وتربعها على قمة عملاق الطاقة “النفط”..
هناك اهتمام متصاعد بالنظرة الإعلامية الغربية والأميركية والشرق أوسطية بالتحركات كافة التي تقوم بها القيادة السياسية السعودية في العديد من المحاور الإقليمية والدولية، وهو الأمر الذي أشارت إليه صراحة بعض المراصد البحثية عندما وصفت الحضور السعودية بالفاعل، وقدرة إدارته السياسية في بلادنا على توجيه الدفة في الوقت المناسب، بما يُحقق مصالح أمنها القومي الذي لا ينتهي عند الحدود الجغرافية التقليدية. في كتاباتي وتدويناتي المختلفة دائمًا ما أركز على العبارة التالية، وهي: “المملكة العربية السعودية ليست دولة طارئة، إنما دولة تستند إلى عمق سياسي متجذر لأكثر من 300 سنة”، ما معنى هذا السياق؟.. معنى ذلك أن حكومتنا اليوم بقيادة خادم الحرمين وولي العهد تعي جيدًا مفهوم “الواقعية السياسية”، وهي في الحقيقة نظرية مهمة مُترسخة في مدارس العلاقات الدولية، وقد كان التأصيل الحقيقي لهذه النظرية من خلال هانز مورجانثو في كتابه “السياسة بين الأمم”، حيث أرسى فيه أهم مقولات ومفاهيم هذه المدرسة. المقدمتان التأسيسيتان السابقتان كانتا مهمتين كمدخل لتقرير نشرته وكالة رويترز في الرابع والعشرين من مايو الجاري، وبرأيي أنه من المهم نقل بعض تصوراته للمشهد الوطني والإعلامي في المملكة العربية السعودية؛ لإعطاء مزيد من الجرعات التثقيفية التوعوية السياسية تجاه التحركات التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، هذا أولًا، أما ثانيًا فلتعميق فهمنا بالدور الذي تقوم به حكومتنا لتعزيز مصالح شعبها، ومنطقتنا الإقليمية على العموم، وإخراجها من عنق زجاجة التجاذبات والانقسامات السياسية، إلى مسار “الاستراتيجية التنموية”، حيث الكل رابح. السعودية ليست دولة جامدة، بل دولة قارئة وسباقة لفهم المتغيرات الدولية التي تتجه إلى تعددية الأقطاب، وهذا ما يظهر في الإشارات الاستهلالية التي قدمتها رويترز في تحليلها بشكل غير مباشر، وهو أن الأمير محمد بن سلمان يتحرك بسياسة بلاده وفق ما يعرف بـ”الحقائق الجيوسياسية”، وهذه نقطة مركزية لإعادة سورية إلى مقعدها في جامعة الدول العربية، واستقبال الرئيس بشار الأسد في القمة العربية (الدورة 32) التي احتضنتها جدة، رغم الرفض والاعتراض الأميركي والأوروبي. علينا كرأي عام وطني أن نستوعب جيدًا أن ولي العهد، يسعى من خلال التحركات الجيوسياسية هنا وهناك، إلى التأكيد على القوة الإقليمية للمملكة العربية السعودية؛ وذلك من خلال استخدام مكانة بلادنا وتربعها على قمة عملاق الطاقة “النفط”. ومن النصوص المهمة التي أسردها بتصرف -على لسان رويترز- :” لقد ظهر الأمير محمد بن سلمان اليوم كلاعب لا يمكن لواشنطن تجاهله أو التنصل منه، ولكن يجب التعامل معه على أساس الندية، وبسبب تشككه –أي ولي العهد- من الوعود الأميركية بشأن الأمن السعودي، فإنه قام بخطوات ديناميكية نوعية، من خلال بناء علاقات مع القوى العالمية الأخرى، وإنه بغض النظر عن ذعر واشنطن، فهو يعيد بناء علاقاته مع خصومها المشتركين –في إشارة إلى روسيا والصين- وفق منطق المصالح المتبادلة، لا منطق التبعية”. يذهب تحليل رويترز –مع اختلافي مع بعض فقراته– إلى أن واشنطن بدت في السنوات الأخيرة أقل انخراطًا في الشرق الأوسط، وأقل تقبلًا لقلق الرياض من بعض الملفات، إلا أن الأمير محمد بن سلمان فرض سياسته الإقليمية الخاصة مع احترام أقل وضوحاً لآراء أقوى حليف للمملكة، وهي إشارة قوية للولايات المتحدة الأميركية بأننا نعيد تشكيل وإعادة رسم علاقاتنا من دونكم، فالأمن القومي الوطني هو الأساس في ذلك. ما أود ذكره هنا كمراقب للشأن السياسي السعودي، أنه عندما تتحرك القيادة السياسية في بلادنا لإغلاق بعض الملفات العالقة مع بعض الخصوم الإقليميين، فإن تحركاتها تنصب لتعزيز الأمن الإقليمي، وهو سياق متقدم جدًا عن مفهوم الدولة الوطنية المنحصرة على ذاتها الجغرافية التقليدية.. دمتم بخير.  

قمة جدة.. نظرة عميقة على التنمية المُستدامة

نلاحظ أن هناك رغبة جادة في التحول إلى تعظيم القوة العربية الإقليمية باستخدام الأدوات الناعمة لا الصلبة، وهذا ذكاء سياسي، وهو لب “قمة جدة” التي حرصت عليه القيادة السياسية السعودية – رئيسة الدورة الحالية – وهو ما حاز على اهتمام استثنائي عالمي سواء كان سياسيًا أو إعلاميًا..
كان من المهم بُعيد انتهاء أعمال القمة العربية للدورة الـ32 التي عُقدت نهاية الأسبوع الماضي، التركيز بعض الشيء على فهم توجهات بعض الأطراف العالمية الإعلامية ورؤيتها تجاه قمة جدة والمآلات التي ترتكز عليها، خاصة أن هذه الدورة تأتي في ظل ظروف استثنائية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. الصحافة الغربية عمومًا كانت على نقيضين تمامًا، من نظرتها للقمة قبل وبعد انتهاء أعمالها، فالدوافع السياسية للأنظمة الغربية تطابقت بشكل كبير مع منصاتها الإخبارية والتحليلية بشكل سلبي، ويمكن الإشارة إلى “الغارديان” البريطانية و”الواشنطن بوست” الأمريكية، وغيرهما الكثير. هذا السخط والغضب مفهوم تمامًا لعدم رغبتهم في رؤية تكامل عربي مُشترك، يُحقق رغبات الشعوب العربية، فضلًا عن امتلاك العرب لمقومات البقاء ومواجهة التحديات. لنكن صرحاء ومن دون مجاملات سياسية، فإن المملكة العربية السعودية تعي تمامًا طبيعة المرحلة المقبلة على مستوى المنطقة، وهي تتحرك فعليًا لتأمين الأمن القومي العربي، عبر الالتفات إلى التنمية الاقتصادية المُستدامة، بدلًا من أجواء الصراعات والانقسامات التي شكلت واقعيًا عبئًا كبيراً على حاضرتنا العربية. لست هنا في معرض التسويق للمملكة العربية السعودية أو قيادتها السياسية، لكن ما أستطيع التأكيد عليه هو أن إدارتنا السياسية استطاعت تقديم خارطة طريق لإخراج المنظومة العربية من ضائقتها الحالية إلى التوسع التنموي، وهو بصراحة ما أرادته الشعوب منذ عقود طويلة، هذا أولًا، أما ثانيًا – وهو الأهم برأي – فإن على العرب أن يعيدوا تموضعهم السياسي والاقتصادي والجمعي والأمني، ورسم آفاق جديدة للسياسة الخارجية في ظل الفرص الناشئة في النظام العالمي المتغير؛ انطلاقًا من كوننا عنصرًا فاعلًا وليس مفعولًا به، بحسب وصف أمين جامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط. ما لاحظته من تبعات هذه القمة وبيانها الختامي، أن هناك رغبة جادة في التحول إلى تعظيم القوة العربية الإقليمية باستخدام الأدوات الناعمة لا الصلبة، وهذا ذكاء سياسي، وهو لب “قمة جدة” التي حرصت عليه القيادة السياسية السعودية – رئيسة الدورة الحالية – وهو ما حاز على اهتمام استثنائي عالمي سواء كان سياسيًا أو إعلاميًا، ولعلي أشير هنا إلى ما طرحته صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية اليسارية، التي خلصت إلى أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، نجح من خلال عودة سوريا بقرار من جامعة الدول العربية، ثم الوصول المفاجئ لفولوديمير زيلينسكي، في أن يجعل من القمة حدثًا عالميًا غير مسبوق؛ بينما يجذب عادة (القمة العربية) اهتمامًا محدودًا جدًا من وسائل الإعلام. هذا الاستثناء للقمة العربية؛ يعود من وجهة نظري المتواضعة إلى فاعلية التوجه السعودي من نقل المنطقة من مربع الصراعات والنزاعات إلى نقطة مفصلية تقوم على مبدأ مهم، وهو “التنمية الاستراتيجية”، كما أنه تأكيد على الوزن الثقيل للمملكة العربية السعودية في العالم العربي. وبعيدًا عن “التصدعات السياسية”، فإن المبادرات النوعية والمهمة التي ستعمل عليها المملكة خلال رئاستها للدورة الحالية تتسق مع التموضع التنموي للقمة، وهو “مبادرة إنشاء حاوية فكرية للبحوث والدراسات في الاستدامة والتنمية الاقتصادية”، الأمر الذي سيتمخض عنه احتضان التوجهات والأفكار الجديدة في مجال التنمية المستدامة وتسليط الضوء على أهمية مبادراتها في المنطقة العربية لتعزيز الاهتمام المشترك ومتعدد الأطراف بالتعاون البحثي وإبرام الشراكات الاستراتيجية.. دمتم بخير.  

مُحددات السلوك السياسي السعودي والمتغيرات الجيوسياسية

انطلاقًا من سياقها القيادي المحوري، أعادت الرياض قراءة أولوياتها الاستراتيجية بما يتفق مع مصالحها وأمنها القومي ومصالح الإقليم في الوقت نفسه، وهو الجوهر المهم إذا ما أردنا فهم مُحددات السلوك السياسي السعودي، ورؤيتها في تحريك المياه الراكدة منذ زمن ليس بالقصير، وحلحلة العديد من القضايا العالقة والمعقدة جدًا..
في الفترة القريبة الماضية طالعت الكثير من التقارير التحليلية الصادرة سواء عن مراكز البحث والتحليل الاستراتيجي، أو كبريات الصحف الغربية الرصينة منها وغير الرصينة، والتي تناولت بشيء من التركيز المتعمق دلالات ومتغيرات السلوك السياسي السعودي تجاه أهم منطقة جيوسياسية في العالم الغنية بالنفط والغاز ومصادر الطاقة. علينا مواجهة بعض الحقائق إذا ما أردنا فعليًا استدراك واستيعاب “السلوك السياسي السعودي” وتبعاته المختلفة بعيدًا عن الإسقاطات والأجندات السياسية غير المتوافقة معنا، فاليوم وبما لا يدُع مجالًا للشك هناك تغيرات ديناميكية سريعة تحدث على مستوى المنطقة ككل -وهذا لا يخفى على أحد- والسعودية شاءت أم أبت جزء لا يتجزأ من هذه المنظومة الإقليمية. أدى تراجع الولايات المتحدة الأمريكية عن سياق التزاماتها الأمنية الإقليمية، فضلًا عن تزايد حدة الانقسامات والصراعات، إلى دفع الإدارة السياسية السعودية لأخذ زمام المبادرة كدولة قائدة للعالم العربي والإسلامي، في محاولة حثيثة منها لإدارة مركب البوصلة السياسية إلى بر الأمان لها ولشقيقاتها في المنطقة. انطلاقًا من سياقها القيادي المحوري، أعادت الرياض قراءة أولوياتها الاستراتيجية بما يتفق مع مصالحها وأمنها القومي ومصالح الإقليم في الوقت نفسه، وهو الجوهر المهم إذا ما أردنا فهم مُحددات السلوك السياسي السعودي، ورؤيتها في تحريك المياه الراكدة منذ زمن ليس بالقصير، وحلحلة العديد من القضايا العالقة والمعقدة جدًا، بهدف تعزيز السلم والأمن الإقليمي، وإخراج المنطقة من دائرة الصراعات والنزاعات، على الرغم من التحديات الكبيرة التي واجهتها في سبيل ذلك، وعدم موافقة بعض القوى الدولية الكبرى، إلا أنها استطاعت بدبلوماسية الأطراف الهادئة والفاعلة إلى تحقيق “التوازن” لنقل المنطقة من مرحلة معقدة إلى مرحلة الاستراتيجية التنموية. ما يؤكد هذه الاتجاهات ما نشرته مجلة “فورين بوليسي” العريقة من أن المملكة العربية السعودية تحظى اليوم بشعبية كبيرة في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما أظهره استطلاع حديث أجرته مؤسسة “غالوب” في 13 دولة ذات أغلبية مسلمة، ذكرت فيه أن السعودية كانت الأكثر شعبية، وكانت سياسيات ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الداخلية والخارجية محل إعجاب مجتمعات الدول المستطلعة. في العامين الأخيرين تحديدًا كانت هناك تعديلات دقيقة ديناميكية في السياسة السعودية الخارجية، تمثلت في توسيع نطاقات التحركات لما هو أبعد من الإقليم، وهذا يحسب لقيادتنا الوطنية، فالمملكة بموقعها الاستراتيجي وقدراتها المالية الهائلة، فضلًا عن خططها الاستثمارية هنا وهناك، وسياساتها الإنسانية المركزة، جعل منها مُحركًا فاعلًا يجتمع على طاولتها الأطراف المتضادة أو غير المتوافقة على أدنى تقدير، وهو ما يُعزز الضمانة الأمنية والاستقرار لها ولدول الإقليم، ويكمن نجاحها هنا في تحقق عوامل “التوازن البراغماتي”. مع المتغيرات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، والأولويات الاستراتيجية المتغيرة، وعت الرياض أكثر من غيرها، بأهمية دراسة المخاطر التكتيكية التي يمكن أن تُهدد تغيير المواقف، من خلال عملها الجاد والمؤسسي الدبلوماسي على توفير الحوارات الضمنية الإيجابية مع مختلف مراكز القوى الإقليمية، ووصول الأطراف جمعيًا إلى قناعة تامة بأهمية تعزيز مسألة الأمن والتنمية والازدهار لتحقيق الرفاهية لشعوب المنطقة، خاصة مع تراجع الاقتصاد، وزيادة معدلات البطالة، وتراجع مؤشرات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.. دمتم بخير.