لفت انتباهي معركة «اجتثاث الفكر المتطرف» التي قادها على شاشة MBC، معالي الدكتور محمد العيسى، بطرح عميق ورصين، ونجاحه في تناول القضايا المركزية التي تستند إليها جماعات التطرف في عموم البلدان الإسلامية..
عاشت أمتنا الإسلامية خلال العقدين الأخيرين (2000-2020) أحداثًا متطرفة مؤلمة، كنا مسؤولين عن بعض فصولها، سواء أردنا تصديق ذلك أم لا، وهو ما انعكس سلبًا على الخريطة الذهنية لصورة الإسلام الكُلية السمحة، أمام الآخر من غير المسلمين، وحتى داخل بيتنا الإسلامي الكبير.
علينا أن نُقر حتى تتكون صور المشهد القائم لدينا، أن الأفكار المتطرفة في البيتين السني والشيعي وجدت أمامها مساحات واسعة للتحرك؛ بسبب تغذية الجماعات المتشددة الشاذة عن حياض الدين الحنيف، وهو ما ساهم في بناء ملامح غير أصيلة عن إسلامنا الوسطي المعتدل.
نعلم علم اليقين، أن أفعال الجماعات المتطرفة تنافي آيات الله في كتابه المكنون “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، و”ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً”، ومن أجل هذا المعنى العظيم شرع الله تعالى السعة واليُسر في الدين، فيما سلك أهل التطرف سبيلاً آخر حاولوا بمفاهيمهم الباطلة النيل من هذه الرحمة الإلهية التي “وسعت كل شيء”.
كان لزامًا ونحن نعيش أزمة “عصر التطرف” في عالمنا المعاصر، مواجهة الفكر بالفكر، وقد أحسن المدير الأسبق لمركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة، الدكتور علي الدين هلال، حينما طالب بتفكيك “الفكر المتطرف”، و”تحديد سماته والكشف عنها في الخطابات الإعلامية والثقافية والفكرية السائدة في المُجتمعات العربية والإسلامية؛ وذلك لأن تغلغلها في عقول جمهرة الناس، خاصة الشباب منهم يجعلهم أكثر تهيؤًا وقبولًا لسلوكياته المنحرفة.
وللأمانة لستُ متابعًا جيدًا للبرامج الدينية المُتلفزة على القنوات الفضائية خلال شهر رمضان الماضي، لأسباب لا يتسع المقام لذكرها، لكن ما لفت انتباهي وانتباه أطياف غير قليلة من الرأي العام السعودي والعربي، معركة “اجتثاث الفكر المتطرف” التي قادها الضيف الدائم لبرنامج “بالتي هي أحسن” الذي بث على شاشة MBC، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، رئيس هيئة علماء المسلمين، معالي الدكتور محمد العيسى، بطرح عميق ورصين، ونجاحه في تناول القضايا المركزية التي تستند إليها جماعات التطرف في عموم البلدان الإسلامية، من خلال ثلاثة محاور رئيسية:
▪️ تحديده لمعايير الاجتهاد الصحيح، وفضحه أساليب المتطرفين في سوق الأكاذيب والافتراءات على المختلف، ومحاولة قراءة نياتها وافتراض أسوئها.
▪️ تميز خطابه الديني المعتدل الذي يصل للمقصد الشرعي، ويرسم صورة ذهنية إيجابية لدى غير المسلمين عن ديننا الحنيف، القائم على قيم السماحة والرفق بالمُجادل.
▪️ تناوله العميق لكافة قضايا الجماعات المتشددة، بوضوح وشفافية في قالب ومحتوى عصري بعيد عن الطرح التقليدي المتعارف عليه.
أستطيع التأكيد في ظل الارتباك الذي شهده خطابنا الإسلامي المُعاصر خلال الفترات السابقة، ناهيك عن التشوهات الحضارية التي سببتها الأفكار المتطرفة السنية أو الشيعية على حد سواء، أن المرتكزات والمفاهيم التي بثها معالي الدكتور العيسى في حلقاته، كانت من أنجع السبل لمواجهة جذور التطرف والإرهاب، وعرضه للقيم والمبادئ الإسلامية الصحيحة، وكشفه مستور خطابهم القائم من أنهم “كلمة الله على الأرض وإرادته”، وإعادة مسار الخطاب الإسلامي إلى جادة الصوب وإنسانيته العالمية.
نجح برنامج الدكتور العيسى بامتياز في إظهار تنوع الخطاب الإسلامي، وعالميته، وصلاحه وإصلاحه لكل زمان ومكان، وإظهار معاني الحكمة والموعظة الحسنة التي تعتمد على التبصرة والتوعية الرشيدة.
ثلاث قضايا محورية ناقشها العيسى في برنامجه، ببراعة وبساطة، وبفهم وإدراك شرعي وفلسفة أخلاقية عتيدة، القضية الأولى “تحريم الاعتداء على دور العبادة”، وتأكيده من أن الإسلام أوجب على احترام وجود دور العبادة الأخرى، بل ويفرض على المسلمين حمايتها، ويجرّم الاعتداء عليها مهما كان السبب.
والقضية الثانية “المرجعية الإسلامية”، والتي أكد فيها باسم علماء ومفكري رابطة العالم الإسلامي وهيئاتها ومجامعها ومجالسها العالمية، أن السعودية هي المرجعية الروحية للمسلمين، من منطلق شرف خدمتها الحرمين الشريفين، وريادتها واضطلاعها بكامل مسؤولياتها الإسلامية على كافة الصعد في سياق تاريخي مشرّف.
والقضية الثالثة والتي تسمرت عندها، وتميز فيها بأسلوبه الذكي ونقده المتمكن لـ “فساد ممارسات الإسلام السياسي” وأخلاقيات جماعاته وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، وتنازلها عن الاهتمام بالعقيدة والسلوك الإسلامي، بل وحتى شعاراتها التي ترفعها عند اضطرارها، فضلاً عن استخدام البراغماتية النفعية في أسوأ صورها.
ما أرجوه من معاليه عدم توقف حلقات برنامجه، والاستمرار فيها ولو أسبوعيًا؛ لأنها تمثل منصة استناره شرعية في غاية الأهمية، للكثير من المنخدعين بالأفكار المتطرفة.