زيارة الرئيس المصري إلى المملكة انعكاس لرؤية استراتيجية بعيدة المدى، تعي أن استقرار المنطقة يبدأ من ترسيخ التعاون بين الرياض والقاهرة، فهي زيارة تعزز التوافق السياسي في القضايا المصيرية، وتعيد رسم التوازنات الإقليمية في مواجهة التحديات الراهنة..
اكتسبت زيارة الرئيس المصري للمملكة، الخميس الماضي، أهمية خاصة من حيث سياق التوقيت الحساس الذي تمر به المنطقة، وفي ضوء التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تتقاطع عند الرياض والقاهرة معاً، فهي ليست مجرد لقاء بروتوكولي يضاف إلى سجل الزيارات المتبادلة بين قيادتي البلدين، بل تمثل محطة مفصلية في مسار الشراكة الاستراتيجية السعودية – المصرية، بما تحمله من رسائل تتجاوز الطابع الثنائي لتصل إلى عمق الإقليم والعالم.
منذ عقود، شكلت العلاقات بين المملكة ومصر ركناً أساسياً في معادلة الاستقرار العربي، والسعودية بما تمثله من ثقل اقتصادي وروحي وسياسي، ومصر، بما تحمله من عمق حضاري وبشري وعسكري، يجتمعان في رؤية واحدة مفادها أن أي خلل في العلاقة بين الرياض والقاهرة ينعكس سلباً على منظومة الأمن القومي العربي بأكملها.
الزيارة الحالية جاءت لتؤكد أن التواصل بين قيادتي البلدين، ضرورة استراتيجية، وهو ما يفسر حرص القيادتين على اللقاءات والاتصالات المتواصلة وتفعيل مجلس التنسيق الأعلى السعودي – المصري الذي أُعلن في يونيو الماضي، ليكون منصة مؤسسية لترجمة هذه العلاقة إلى برامج عمل عملية في مختلف المجالات.
على الصعيد الاقتصادي، تمثل الزيارة فرصة لتسريع وتيرة التعاون المشترك في ضوء الرؤيتين التنمويتين، رؤية السعودية 2030 ورؤية مصر 2030، واللتين تتقاطعان في أهداف جوهرية مثل تنويع مصادر الدخل، وجذب الاستثمارات، وتعزيز دور القطاع الخاص، حيث تمتلك المملكة رأس المال الضخم والقدرات التمويلية، بينما تمتلك مصر سوقاً استهلاكية هائلة وطاقات بشرية مدربة وموقعاً جغرافياً محورياً، وهذا التكامل يجعل من الشراكة الاقتصادية بين البلدين، نموذجاً لشراكة عربية قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية من موقع قوة.
برهنت المواقف التاريخية للمملكة، حينما دعمت الاقتصاد المصري في أوقات حرجة، على أن البعد الاقتصادي في العلاقة ليس خاضعاً لحسابات ضيقة، بل جزء من التزام استراتيجي يهدف إلى تعزيز استقرار مصر باعتبارها عمقاً أمنياً وسياسياً للمنطقة.
تأتي هذه الزيارة في لحظة جيوسياسية فارقة، حيث يتفاقم الوضع في الأراضي الفلسطينية نتيجة استمرار الاحتلال الإسرائيلي في ارتكاب جرائم التجويع والتطهير العرقي بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وهنا، يظهر التوافق السعودي – المصري جلياً في رفض سياسات الاحتلال ودعم حل الدولتين باعتباره الطريق الوحيدة لتحقيق السلام العادل والدائم، وهذا الموقف المشترك يعكس انسجاماً في الرؤى السياسية، وقدرة البلدين على تشكيل محور إقليمي ضاغط يحول دون تمرير مشاريع أحادية تهدد مستقبل المنطقة، كما يشكل غطاءً عربياً جامعاً للقضية الفلسطينية، بما ينسجم مع التحركات السعودية الأخيرة في المحافل الدولية لتعزيز الشرعية الدولية وحماية المدنيين.
الإعلام السعودي والمصري يضطلعان بدور مركزي في إبراز دلالات الزيارة، وهو ما يفسر نشر خبرها في صدر النشرات الإخبارية واستمراره على الشريط الإخباري على مدار الساعة، وهذه الرسائل الإعلامية تعكس حرص القيادة السعودية على توجيه الرأي العام الداخلي والخارجي معاً إلى أن العلاقات بين الرياض والقاهرة ثابتة وراسخة، ولا تتأثر بمحاولات التشويش أو الإشاعات التي تهدف إلى النيل منها.
إن تسليط الضوء على المواقف التاريخية للمملكة في دعم مصر، واستضافة المحللين للتعليق على البيان المشترك، يمثل استراتيجية اتصالية متكاملة تضمن وصول الرسائل إلى أوسع نطاق، وتعزز إدراك المواطن العربي لأهمية هذا التحالف في رسم ملامح المستقبل.
حين يجتمع أكبر بلد عربي من حيث الثقل السكاني (مصر) مع أكبر بلد عربي من حيث الثقل الاقتصادي والسياسي (السعودية) فإن الرسالة أبعد من حدود البلدين، فهذه الشراكة ترسم خطاً عريضاً يعيد صياغة موازين القوى في المنطقة في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
تحمل الزيارة في طياتها رسالة إلى القوى الدولية أن النظام العربي، رغم ما يمر به من اضطرابات، لا يزال قادراً على إنتاج تحالفات راسخة تستند إلى المصالح المشتركة والهوية التاريخية، وهي في الوقت ذاته رسالة إلى الداخل العربي بأن ركيزتي النظام العربي –الرياض والقاهرة– تسيران بخطوات واثقة نحو تعزيز التكامل، بعيداً عن محاولات التشويه أو التشكيك.
إن زيارة الرئيس المصري إلى المملكة، هي انعكاس لرؤية استراتيجية بعيدة المدى، تعي أن استقرار المنطقة يبدأ من ترسيخ التعاون بين الرياض والقاهرة، فهي زيارة تعزز التوافق السياسي في القضايا المصيرية، وتعيد رسم التوازنات الإقليمية في مواجهة التحديات الراهنة.. دمتم بخير.